واشنطن ترحب باندماج قسد وتدعم مسار سوريا الموحدة

2026/08/27م

(عاد/ روسيا) متابعات:

رحبت الولايات المتحدة بإعلان قوات سوريا الديمقراطية «قسد» حل نفسها كقوة عسكرية مستقلة واندماجها في مؤسسات الدولة السورية، في خطوة وصفتها واشنطن بأنها «تاريخية»، بما يعكس دعما أميركيا واضحا لمسار توحيد مؤسسات الدولة السورية وإنهاء الهياكل العسكرية والإدارية المنفصلة.

ووصف المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم باراك، الثلاثاء، اندماج «قسد» في مؤسسات الدولة بأنه «تطور تاريخي بكل معنى الكلمة»، معتبرا أن قيادة الرئيس الأميركي دونالد ترامب فتحت الطريق أمام هذا المسار.

وقال إن «سوريا موحدة للجميع» بدأت تتشكل، في إشارة إلى أن واشنطن تنظر إلى الاتفاق باعتباره خطوة تتجاوز حدود العلاقة بين دمشق والأكراد إلى إعادة بناء الدولة السورية على قاعدة وطنية موحدة.

وجاء الموقف الأميركي بعد إعلان قائد «قسد» مظلوم عبدي، من قصر الشعب في دمشق، انتهاء مهمة التنظيم وحله كقوة عسكرية مستقلة، مؤكدا اندماج قواته في مؤسسات الدولة السورية.

وقال عبدي إن المرحلة المقبلة يجب أن تركز على السلام والاستقرار والبناء، وإن الهدف هو بناء «سوريا جديدة» لجميع مكوناتها، من الأكراد والعرب والتركمان والآشوريين.

ويمثل الإعلان تحولا كبيرا في وضع «قسد»، التي كانت خلال السنوات الماضية الشريك العسكري الرئيسي للولايات المتحدة في الحرب على تنظيم داعش، وسيطرت على مناطق واسعة في شمال شرقي سوريا، وأقامت إلى جانب نفوذها العسكري بنية إدارية وأمنية خاصة بها.

ومع اكتمال عملية الدمج، تنتقل العلاقة بين واشنطن والقوة الكردية من صيغة الشراكة العسكرية المباشرة إلى دعم اندماجها داخل مؤسسات الدولة السورية.

وتكمن أهمية الموقف الأميركي في أنه يعكس أولوية متزايدة لدى واشنطن تتمثل في الحفاظ على وحدة الأراضي السورية ومنع استمرار الكيانات العسكرية والإدارية الموازية للدولة. فبدلا من الدفع نحو تكريس وضع منفصل في شمال شرقي البلاد، تؤيد الإدارة الأميركية صيغة تقوم على استيعاب المكون الكردي داخل مؤسسات الدولة، مع الحفاظ على حقوقه الثقافية واللغوية.

ويشير حديث باراك عن «سوريا موحدة للجميع» إلى أن واشنطن تريد تقديم عملية دمج «قسد» باعتبارها نموذجا للتوفيق بين مركزية الدولة والتنوع المجتمعي.

وقد أكد عبدي بدوره أن الرئيس السوري أحمد الشرع أبدى انفتاحا على حق الأكراد في التعليم باللغة الكردية، في وقت سبق لدمشق أن اتخذت خطوات للاعتراف بالهوية الثقافية واللغوية للأكراد ضمن إطار الهوية الوطنية السورية الموحدة.

بدلا من الدفع نحو تكريس وضع منفصل في شمال شرقي البلاد، تؤيد الإدارة الأميركية صيغة تقوم على استيعاب المكون الكردي داخل مؤسسات الدولة، مع الحفاظ على حقوقه الثقافية واللغوية.

ومن هذه الزاوية، لا يبدو أن واشنطن تنظر إلى الاندماج باعتباره مجرد ترتيبات عسكرية، وإنما باعتباره جزءا من تسوية سياسية أوسع. فدمج المقاتلين والمؤسسات الأمنية والإدارية في الدولة يعني إنهاء ازدواجية السلطة في مناطق كانت خاضعة لسيطرة «قسد»، بينما الاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية يوفر في المقابل ضمانات للمكون الكردي بأن الاندماج لا يعني التخلي عن هويته.

وتشكل هذه المعادلة أحد أهم الاختبارات أمام الدولة السورية الجديدة: هل تستطيع دمشق توسيع سلطة مؤسساتها من دون أن يتحول ذلك إلى مركزية صلبة تتجاهل خصوصيات المكونات؟ وهل تستطيع المكونات المحلية، في المقابل، الانتقال من إدارة مناطقها وقواتها الخاصة إلى المشاركة في مؤسسات الدولة الموحدة؟

ويحمل نجاح التفاهم بين دمشق والأكراد أهمية تتجاوز الطرفين. فبعد سنوات من الحرب وتعدد مراكز النفوذ، تحتاج سوريا إلى إعادة بناء مؤسسات عسكرية وأمنية وإدارية موحدة، فيما تواجه الحكومة تحدي استيعاب مكونات مختلفة لا تزال لديها مخاوف بشأن مستقبلها السياسي والأمني.

ومن هنا، يمكن أن يمثل النموذج الكردي اختبارا أوليا لقدرة دمشق على إدارة هذا التنوع. فإذا نجحت عملية الدمج مع الحفاظ على الحقوق التي حصل عليها الأكراد، فقد تشجع التجربة على تطوير ترتيبات سياسية وأمنية مع مكونات أخرى، بما فيها الدروز والعلويون، ضمن إطار الدولة الواحدة، بدلا من استمرار المناطق الخارجة عن سيطرة المؤسسات المركزية.

كما أن دعم واشنطن للمسار يمنح الحكومة السورية دفعة سياسية مهمة، خصوصا أن الولايات المتحدة كانت طوال سنوات الداعم الرئيسي لـ«قسد». فانتقال الموقف الأميركي من دعم قوة محلية مسلحة إلى الترحيب بحلها واندماجها في مؤسسات دمشق يعكس تغيرا في الأولويات الأميركية تجاه سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، مع تركيز أكبر على تثبيت الدولة ومنع عودة الفوضى أو صعود تنظيم داعش.

لكن واشنطن تدرك في المقابل أن الإعلان عن الحل لا يعني انتهاء جميع الملفات. فما زالت عملية دمج المؤسسات المدنية والأمنية تحتاج إلى استكمال، كما أن ترتيبات دمج المقاتلين وتحديد أدوار القيادات السابقة وضمان الحقوق الكردية ستحتاج إلى آليات تنفيذ واضحة.

وتشير التقارير إلى أن بعض مؤسسات الإدارة الذاتية لم تكن قد استكملت اندماجها في مؤسسات الدولة حتى لحظة الإعلان.

وبالتالي، فإن الترحيب الأميركي لا يمثل فقط إشادة باتفاق بين دمشق و«قسد»، بل يعكس رهان واشنطن على صيغة جديدة لسوريا: دولة واحدة وجيش واحد ومؤسسات موحدة، مقابل الاعتراف بالتنوع وحماية الحقوق الثقافية والسياسية لمكوناتها.

ويبقى نجاح هذا الرهان مرتبطا بقدرة دمشق على تحويل الإعلان السياسي إلى عملية اندماج مستدامة، وبقدرة واشنطن على مواصلة دعم المسار الدبلوماسي دون العودة إلى سياسة إدارة مناطق النفوذ. فإذا نجحت التجربة الكردية، فقد تصبح خطوة أساسية في تثبيت الدولة السورية الجديدة، وربما نموذجا لتسويات أوسع مع بقية مكونات البلاد

اضف تعليقك