الصين تفاوض الحوثيين لضمان مرور ناقلاتها عبر البحر الأحمر

2026/07/29م

(عاد/ بروكسل) متابعات:

بدأت الصين اتصالات مباشرة مع جماعة الحوثي في اليمن لضمان مرور ناقلاتها النفطية والتجارية عبر البحر الأحمر وباب المندب دون التعرض لهجمات، في تحرك يعكس تنامي القلق الصيني من تداعيات التصعيد في أحد أهم الممرات البحرية العالمية، بعد إعلان الحوثيين فرض حصار بحري على الموانئ السعودية المطلة على البحر الأحمر.

ويكشف هذا التحرك عن دخول بكين على خط إدارة الأزمة بصورة مباشرة، ليس من بوابة الوساطة السياسية، وإنما من خلال حماية مصالحها الاقتصادية وأمن إمدادات الطاقة.

وبحسب مصادر مطلعة، طلبت الصين من الحوثيين تقديم ضمانات تسمح للسفن الصينية بالعبور الآمن، لتصبح من أوائل الدول التي فتحت قناة اتصال مباشرة مع الجماعة منذ إعلانها توسيع عملياتها البحرية.

وتأتي هذه الخطوة في وقت تواجه فيه بكين تحديا مزدوجا يتمثل في اضطراب الملاحة في مضيق هرمز من جهة، وتصاعد المخاطر في باب المندب من جهة أخرى.

ويعكس التحرك الصيني إدراكا متزايدا بأن أمن الطاقة بات يرتبط مباشرة باستقرار الممرات البحرية في الشرق الأوسط. فبعد إغلاق إيران لمضيق هرمز جزئيا خلال الأشهر الماضية، أصبحت الموانئ السعودية على البحر الأحمر، وفي مقدمتها ميناء ينبع، تشكل بديلا مهما لتصدير النفط إلى الأسواق الآسيوية، وعلى رأسها السوق الصينية.

غير أن إعلان الحوثيين فرض حصار على الموانئ السعودية، وتهديدهم باستهداف السفن المرتبطة بها، وضع هذا البديل أمام مخاطر جديدة، ما دفع بكين إلى البحث عن تفاهمات مباشرة تضمن استمرار تدفق وارداتها النفطية دون انقطاع.

وتشير بيانات تتبع السفن إلى أن عددا من ناقلات النفط السعودية واصل بالفعل الإبحار إلى الصين عبر باب المندب منذ إعلان الحصار، وهو ما يبرز أهمية هذا المسار بالنسبة لبكين في ظل التوترات المستمرة في الخليج.

وبحسب المصادر، فإن التفاهمات لا تقوم على اتفاق شامل، وإنما على منح موافقات لعبور كل ناقلة بشكل منفصل، بما يمنح الحوثيين هامشا لإدارة عملياتهم العسكرية دون استهداف السفن الصينية.

ويعكس هذا الأسلوب طبيعة العلاقة البراغماتية بين الطرفين، حيث تسعى الصين إلى تجنب الانخراط في الصراع، بينما يحاول الحوثيون الحفاظ على علاقاتهم مع أحد أكبر المشترين للنفط في العالم، وعدم فتح جبهة مع قوة دولية تمتلك علاقات وثيقة مع إيران.

كما أفادت مصادر إقليمية بأن طهران كانت على اطلاع بهذه الاتصالات، في مؤشر على أن التنسيق بين إيران والحوثيين شمل أيضا الجوانب المتعلقة بحركة الملاحة الدولية.

وأعاد قرار الحوثيين بمنع السفن المرتبطة بالموانئ السعودية من العبور رسم مسارات الشحن في المنطقة. فقد أظهرت بيانات ملاحية أن ناقلتي النفط العملاقتين “نيو تشامبيون” و”نيو برايم” عادتا أدراجهما من خليج عدن إلى المياه المفتوحة، وسط مخاوف من التعرض لهجمات.

رغم أن بكين تؤكد رسميا تمسكها بالحلول الدبلوماسية، فإن تحركها المباشر مع الحوثيين يكشف عن مقاربة أكثر براغماتية في إدارة الأزمات الإقليمية.

كما أكدت مصادر تجارية أن عددا من السفن غير مساره قبل دخول البحر الأحمر، وهو ما يعكس تزايد المخاطر التي تواجه شركات الشحن العالمية، حتى بالنسبة للسفن التي لا تشارك بصورة مباشرة في الصراع.

وتحمل هذه التحولات تداعيات اقتصادية واسعة، إذ إن الإبحار عبر باب المندب يوفر للسفن المتجهة من ميناء ينبع إلى آسيا نحو شهر مقارنة بالمسارات البديلة حول رأس الرجاء الصالح، الأمر الذي يجعل أي اضطراب في هذا الممر ينعكس مباشرة على تكاليف النقل وأسعار الطاقة.

ورغم أن بكين تؤكد رسميا تمسكها بالحلول الدبلوماسية، فإن تحركها المباشر مع الحوثيين يكشف عن مقاربة أكثر براغماتية في إدارة الأزمات الإقليمية.

فالصين، التي تجنبت الانضمام إلى التحالفات العسكرية الغربية لحماية الملاحة في البحر الأحمر، اختارت بدلا من ذلك الاعتماد على قنوات الاتصال السياسية لضمان أمن سفنها، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع إيران وشركائها الإقليميين.

وفي تعليقها الرسمي، اكتفت وزارة الخارجية الصينية بالدعوة إلى احترام سيادة دول المنطقة والحفاظ على حرية الملاحة، دون تأكيد أو نفي إجراء اتصالات مباشرة مع الحوثيين، وهو ما يعكس حرص بكين على إبقاء تحركاتها بعيدة عن الأضواء.

وتبرز هذه التطورات التحول الذي يشهده باب المندب، إذ لم يعد مجرد ممر بحري يربط البحر الأحمر بخليج عدن، بل أصبح ورقة ضغط جيوسياسية تؤثر في حركة التجارة والطاقة العالمية.

ومع استمرار التوتر في مضيق هرمز، بات باب المندب يمثل الشريان البديل لصادرات النفط الخليجية المتجهة إلى آسيا، ما يجعل أي تهديد للملاحة فيه ذا انعكاسات مباشرة على الاقتصاد العالمي، خاصة بالنسبة للدول الآسيوية المستوردة للطاقة.

وتشير الاتصالات الصينية مع الحوثيين إلى أن القوى الدولية بدأت تتكيف مع واقع أمني جديد في البحر الأحمر، حيث أصبحت الجماعة طرفا لا يمكن تجاهله في معادلة أمن الملاحة. كما تعكس هذه الاتصالات تحولا في أدوات إدارة الأزمات، إذ تلجأ بعض الدول إلى التفاهمات المباشرة مع الفاعلين غير الحكوميين لحماية مصالحها الاقتصادية، بدلا من الاعتماد فقط على الردع العسكري.

وفي حال نجحت هذه التفاهمات في تأمين عبور السفن الصينية، فقد تفتح الباب أمام ترتيبات مماثلة مع دول أخرى تعتمد على هذا الممر الحيوي. أما إذا تصاعدت الهجمات أو اتسع نطاق الحصار، فإن البحر الأحمر مرشح لأن يصبح، إلى جانب مضيق هرمز، أحد أبرز مسارح التنافس الإقليمي والدولي على أمن الطاقة وحرية الملاحة خلال المرحلة المقبلة.

اضف تعليقك