(عاد/ واشنطن) متابعات:
تُغطي المحيطات نحو 71% من إجمالي مساحة سطح الأرض، ويعتمد ملايين الأفراد حول العالم على المسطحات المائية في سبل المعيشة والحياة اليومية، ما يجعلها أحد أهم الموارد الطبيعية للاقتصاد العالمي.
ومع ذلك، تتعرض المحيطات للعديد من المخاطر على رأسها تأثيرات التغيرات المناخية والتلوث الناجم عن الأنشطة البشرية، وفي نفس الوقت، تواجه برامج أو مبادرات حماية المحيطات العديد من التحديات على رأسها التمويل.
وينطلق مؤتمر محيطنا 2026 في مدينة مومباسا في كينيا بين يومي 16 إلى 18 يونيو/حزيران الجاري، بآمال وطموحات لدعم النظم البيئية الزرقاء والمسطحات المائية، باعتبارها أحد أهم النظم البيئية على سطح الأرض.
وفي هذا الصدد، أجرت “العين الإخبارية” حوارًا حصريًا مع “ألبرتو باتشيكو كابيلا” (Alberto Pacheco Capella)، رئيس فرع البحار الإقليمية في برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، حول التحديات التي تواجه النظم البيئية الزرقاء، وكيف يمكن لمؤتمر محيطنا دعمها.
المشكلة الأساسية في تدهور المحيطات ليست غياب الاتفاقيات، بل ضعف التنفيذ.
هناك فجوة كبيرة في التمويل لصالح الأنشطة المضرّة بالمحيطات على حساب حمايتها.
تغير المناخ والتلوث يسرّعان تدهور النظم البيئية البحرية.
ضعف التنسيق بين القطاعات المختلفة يحد من فعالية الحوكمة.
الاقتصاد الأزرق لن يكون مستدامًا دون دمج الاعتبارات البيئية في التنمية.
الحل يتطلب إعادة توجيه التمويل نحو حماية الطبيعة وتعزيز التنفيذ المحلي والإقليمي.
مؤتمر “محيطنا 2026” فرصة للانتقال من التعهدات إلى إجراءات عملية قابلة للقياس.
وإليكم نص الحوار..
يؤكد برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) على أهمية النظم البيئية الزرقاء لدعم المناخ والاقتصاد؛ فلماذا تستمر تلك النظم في التدهور على الرغم من دمجها في السياسات الدولية؟
على الرغم من الاعتراف العالمي الواسع بأهمية النُظم البيئية الزرقاء لدعم استقرار المناخ والمرونة الاقتصادية؛ فإنّ تدهورها المستمر يعكس الفجوة المتواصلة بين الالتزام والتنفيذ.
إنّ المشكلة الأساسية لا تكمن في غياب الاتفاقيات الدولية، بل في عدم مواءمة الحوافز الاقتصادية وأنظمة الحوكمة والعمل المناخي مع هذه الالتزامات. وهنا تجدر الإشارة إلى “تقرير حالة تمويل الطبيعة للعام 2026” (State of Finance for Nature)، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة، الذي ورد فيه أنّ التدفقات المالية التي تُضر بالطبيعة لا تزال أعلى بنحو 3 إلى 4 مرات من تلك التدفقات المالية التي تدعم حمايتها؛ إذ لا يزال توجيه الإعانات إلى أنشطة تتضمن الصيد الجائز والتنمية الساحلية غير المستدامة والتلوث.
وفي نفس الوقت، يتسبب تغير المناخ في تفاقم تلك الضغوط. وقد أشار “تقرير فجوة الانبعاثات للعام 2025” (Emissions Gap Report)، إلى أنّ المسارات الحالية تتجاوز عتبة 1.5 درجة مئوية، ما يُسرّع من بعض التأثيرات مثل ابيضاض المرجان وتحمض المحيطات ونقص الأكسجين، وهي تغيرات تتجاوز جهود التكيّف.
من جانب آخر، يتسبب تشتت الحوكمة في تقويض التقدم أكثر؛ حيث تُدار القطاعات المرتبطة بالمحيطات مثل المصايد والشحن والسياحة والطاقة بمعزل عن بعضها على الرغم من ترابط آثارها، ما يحد من فعّالية تدابير الحفظ التي تتطلب مناهج منسقة وشاملة لجميع القطاعات.
وتُبرز المبادرات التي يدعمها برنامج الأمم المتحدة للبيئة في مصر، في إطار اتفاقية برشلونة وخطة عمل البحر المتوسط، ما يُواجهه المستوى الوطني من المخاطر وكذلك الفرص المتاحة؛ فعلى الرغم من أنّ النظم البيئية الساحلية على طول الساحل الشمالي حيويةً للمصايد والأمن الغذائي ولديها قدرة على التكيّف مع التغيرات المناخية؛ إلا أنها ما زالت تُعاني من ضغوطات مختلفة مثل سوء إدارة مياه الصرف الصحي والتنمية غير المستدامة.
وأخيرًا، إذا لم يصبح الحفظ أكثر جدوى اقتصاديًا من التدهور، وإذا لم يُوجه الدعم للنظم الوطنية من أجل تحويل الالتزامات العالمية إلى إجراءات محلية، ستظل النُظم البيئية البحرية مُعرضة للخطر رغم الاعتراف الواسع بأهميتها.
2- ما تعريفكم لحوكمة المحيطات، وكيف يمكن تعزيزها بحيث لا تقتصر على وضع الأُطر والسياسات، بل وتمتد لتشمل أيضًا التنفيذ الفعّال على المستوى المحلي؟
حسنًا، إنّ حوكمة المحيطات تتجاوز مجرد وضع الأُطر؛ فالأمر يتمثل في تحقيق التكامل والترابط بين المؤسسات والتمويل والعلم وآليات التنفيذ، بما يضمن إدارة المحيط باعتباره نظامًا واحدُا مترابطًا ومتكاملًا. هذا بالطبع يتطلب تحوّلًا من المناهج المجزأة والقطاعية إلى إدارة متكاملة قائمة على النظام البيئي؛ حيث يتم تنسيق أنشطة مثل مصايد الأسماك والسياحة ومكافحة التلوث والتنمية الساحلية ضمن حدود بيئية.
وهنا أود الإشارة إلى أنّ اتفاقيات وخطط عمل البحار الإقليمية توفر نموذجًا عمليًا من خلال تحويل الالتزامات العالمية إلى أُطر عمل منسقة مدعومة على المستوى الإقليمي؛ مدعومة بالمعرفة العلمية المشتركة وأنظمة الرصد والمتابعة والبروتوكولات القانونية.
على سبيل المثال، تجمع اتفاقية برشلونة وخطة عمل البحر الأبيض المتوسط التابعة لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، نحو 21 دولة والاتحاد الأوروبي، بما في ذلك مصر، إلا أنّ التحديات المستمرة، مثل استنزاف المخزونات السمكية والنفايات البحرية والتلوث، تُبرز أنّ الفجوة الرئيسية لا تكمن في تصميم السياسات، وإنما في التنفيذ الفعّال على المستويين الوطني والمحلي.
برأيكم، ما أبرز التحديات التي تواجه تمويل مشاريع حماية المحيطات أو الحصول على تمويل لحماية المحيطات عمومًا؟
إنّ التحدي الرئيسي لتمويل حماية المحيطات يكمن في ضعف تخصيص التدفقات المالية بصورة منهجية؛ إذ لا تزال تلك التدفقات تُوجه بصورة أكبر إلى الأنشطة التي تتسبب في تدهور المحيطات بدلًا من حمايتها.
ويُوضح “تقرير حالة تمويل الطبيعة” أيضًا أنّ الاستثمار المُوجه إلى الحلول القائمة على الطبيعة، يُقدر بنحو 200 مليار دولار أمريكي سنويًا، في حين أنّه يتم توجيه ما يزيد عن 500 مليار دولار سنويًا نحو الأنشطة الضارة، حيث تُهيمن الإعانات والتنمية الساحلية غير المستدامة والقطاعات كثيفة التلوث على تمويل المحيطات.
ويزداد هذا الخلل بسبب التقليل من قيمة خدمات النظام البيئي البحري، مثل عزل الكربون وحماية السواحل والأمن الغذائي، والتي نادرًا ما تنعكس على أسعار السوق، ما يحد من العوائد واهتمام المستثمرين. ولسد فجوة التمويل؛ فهذا يتطلب تحويل التدفقات المالية نحو الاستدامة وتقليل مخاطر الاستثمار عبر السياسات والتمويل المختلط والتقييم الصحيح لرأس المال الطبيعي للمحيطات حتى تصبح الحماية مُجدية اقتصاديًا.
كيف يمكن تحقيق توازن حقيقي بين تنمية اقتصاد أزرق مستدام وحماية النظم البيئية؛ لا سيما في البلدان النامية التي تعتمد اقتصاديًا على الموارد البحرية؟
إنّ تحقيق توازن حقيقي بين تنمية الاقتصاد الأزرق المستدام وحماية النُظم البيئية، يتطلب مواءمة التنمية الاقتصادية مع الحدود البيئية؛ حيث لا يمكن لاقتصاد أزرق أن يزدهر بدون محيط سليم. وغالبًا تتجاهل النماذج الحالية احتساب التكاليف البيئية، ما يؤدي إلى استنزاف رأس المال الطبيعي، ويُشير “تقرير حالة تمويل الطبيعة” إلى أنّ حجم التدفقات المالية الموجهة إلى الأنشطة الضارة بالبيئة لا يزال يتجاوز التمويل المخصص لحماية وصون الطبيعة بفارق كبير.
ويتمثل الحل في تغيير كيفية تخطيط البلدان واستثمارها ودعمها للتنمية من خلال تطبيق أدوات قائمة على النظم البيئية، مثل التخطيط المكاني البحري لحماية الموائل الحيوية، وإعادة توجيه التمويل نحو حلول صديقة للبيئة وقائمة على الطبيعة، وضمان حصوص البلدان النامية على التمويل والتكنولوجيا وبناء القدرات.
تستطيع البلدان تعزيز قدرات النظم البيئية على الصمود وحماية سُبل العيش ودعم النمو طويل الأجل، لكن في حال إذا تمت معاملة النظم البيئية كأصول اقتصادية.
في ضوء تلك التحديات، ماذا ينبغي أن يُقدم “مؤتمر محيطنا 2026” لضمان حماية فعّالة للمحيطات وعدم الاكتفاء بتكرار التعهدات؟
يُمثل مؤتمر محيطنا 2026، فرصة هامة للانتقال من الطموح إلى العمل عبر تعزيز آليات تنفيذ الالتزامات وتتبعها وتوسيع نطاقها؛ إذ يمكن للمؤتمر أن يُدعم إجراءات قابلة للقياس ومحددة زمنيًا، مدعومة بأنظمة رصد ومساءلة قوية. كما يمكن من خلاله التشجيع على الحلول المتكاملة والشاملة لجميع القطاعات التي تُعالج الأسباب الجذرية مثل التلوث والتنمية الساحلية غير المستدامة والتمويل غير الموجه.
من جانب آخر، يمكن لمؤتمر محيطنا 2026 أن يُساعد على نحويل الإرادة السياسية إلى تقدم ملموس، عبر التركيز على إعادة توجيه التدفقات المالية الحالية نحو استثمارات صديقة للبيئة، وتعزيز الأطر الإقليمية مثل اتفاقيات البحار الإقليمية وخطط العمل، وربط الالتزامات العالمية بحلول ممولة وطنيًا ومنفذة محليًا، هذا بدوره يُسرع من بناء مستقبل أكثر استدامة ومرونة للمحيطات والمجتمعات التي تعتمد عليها.
6- ما هي رسالتكم لقادة العالم في مؤتمر محيطنا 2026؟
بالفعل لدينا العلوم والأدوات والشراكات اللازمة لحماية المحيط، لكن ما نحتاجه الآن هو اتخاذ إجراءات حاسمة لتحويل الالتزامات إلى نتائج ملموسة. ويمكن فعل ذلك من خلال التنسيق بين الأنظمة الاقتصادية والحدود البيئية، والاستثمار في حلول صديقة للبيئة، وتعزيز المساءلة، وتمكين التنفيذ على المستويين الإقليمي والمحلي. يستطيع القادة تسريع التقدم الحقيقي وإطلاق العنان للإمكانات الكاملة للمحيطات لتحقيق الاستقرار المناخي والأمن الغذائي والنمو المستدام.
إنّ هذه لحظة للقيادة بطموح وإنجاز لضمان حماية المحيط، ليس فقط على الورق، بل استعادته واستدامته للأجيال القادمة. برنامج البحار الإقليمية التابع لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة على أتم الاستعداد لدعم الدول في هذه المرحلة الانتقالية لتعزيز إدارة المحيط.






















