واشنطن وطهران تتنازعان أولويات الحكومة العراقية الجديدة

2026/06/16م

(عاد/ موسكو) متابعات:

يجد رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي نفسه في موقع يبدو شبه مستحيل، بين الجماعات المسلحة المدعومة من إيران من جهة، والرئيس الأميركي دونالد ترامب من جهة أخرى. فمسألة التعامل مع الفصائل المسلحة الموالية لإيران في العراق تهدد بإرباك الحكومة الجديدة قبل أن تتمكن حتى من تثبيت أقدامها.

ونجح الزيدي في تمرير تشكيلة وزارية جزئية عبر البرلمان في 14 مايو ، بعد ستة أشهر من الانتخابات البرلمانية، حيث جرى إقرار 14 وزيراً من أصل 23، فيما تدار الوزارات التسع المتبقية بواسطة وزراء بالوكالة إلى حين اعتماد مرشحين جدد من البرلمان.

ورسمياً، يتمثل التحدي التالي أمام رئيس الوزراء في استكمال شغل الحقائب الوزارية الشاغرة، وهو ما يأمل هو ومؤيدوه إنجازه بحلول أواخر يونيو.

لكن الزيدي يواجه مشكلة أكثر إلحاحاً ستحدد إلى حد كبير نجاح حكومته واستقرار العراق السياسي، وهي قضية نزع سلاح الفصائل المسلحة.

فالفصائل المدعومة من إيران، إلى جانب مسؤولين أميركيين وعراقيين وإيرانيين، يضغطون جميعاً على الحكومة الجديدة لمعالجة هذا الملف أولاً. غير أن الأطراف المعنية تسعى إلى نتائج مختلفة تماماً.

وبعد أشهر من المساومات السياسية، رشّح الإطار التنسيقي، وهو أكبر تكتل شيعي برلماني مقرب من طهران، الزيدي، رجل الأعمال الذي يفتقر إلى الخبرة السياسية، لمنصب رئيس الوزراء في 27 أبريل.

وسرعان ما حصل على دعم كل من طهران وواشنطن، لكن استمرار هذا الدعم قد يعتمد على قدرته في التوفيق بين مصالحهما المتعارضة.

وقد نجح الزيدي في تجاوز عقبة اعتبرها البعض مستحيلة بمجرد تشكيل الحكومة، لكنه لم يفعل ذلك عبر حل القضايا الخلافية الكبرى، بل من خلال تأجيلها، وفي مقدمتها ملف الفصائل المسلحة.

وكان أول هذه الملفات الحظر الأميركي على مشاركة شخصيات مرتبطة بست فصائل عراقية مدعومة من إيران تصنفها الولايات المتحدة منظمات إرهابية أجنبية. وتمتلك هذه الجماعات أذرعاً سياسية تشكل جزءاً أساسياً من الإطار التنسيقي وتسعى للحصول على مواقع مؤثرة في الدولة العراقية.

ومن خلال ترك تسع وزارات شاغرة، بينها وزارات تطالب بها هذه الفصائل، أرجأ الزيدي المواجهة إلى موعد لاحق.

وتنتظر عصائب أهل الحق، وهي إحدى أبرز الفصائل المسلحة المنضوية في الإطار التنسيقي والمصنفة أميركياً منظمة إرهابية، حسم ملف السلاح قبل أن تقرر بشكل نهائي المشاركة في الحكومة، وذلك بموافقة إيرانية.

وإذا استمرت العصائب في هذا الموقف، فمن المرجح ألا تكتمل الحكومة العراقية الجديدة قبل التوصل إلى صيغة ما بشأن مستقبل الفصائل المسلحة.

ومنذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، تصر الولايات المتحدة على ضرورة “نزع سلاح الفصائل المدعومة من إيران وتفكيكها وتجريدها من النفوذ”.

وقد عززت الهجمات التي شنتها تلك الفصائل خلال الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، بما في ذلك الهجمات المتكررة على السفارة الأميركية في بغداد، الموقف الأميركي المتشدد تجاهها.

وفي المقابل، تسعى طهران وحلفاؤها في العراق إلى حماية هذه الفصائل عبر تعزيز مكانة هيئة الحشد الشعبي، وهي مؤسسة أمنية عراقية رسمية تضم في صفوفها معظم الفصائل المسلحة المدعومة من إيران.

وتأسست الهيئة عام 2014 لمحاربة تنظيم داعش، لكن الإطار القانوني الذي تستند إليه لا يزال محدوداً، إذ يقوم على قانون مختصر صدر عام 2016.

وخلال عام 2025، حاول مؤيدو الحشد الشعبي تمرير تشريعات أكثر قوة لترسيخ وضعه القانوني وضمان تمويله، إلا أن تلك المحاولات فشلت.

ويُبقي الوضع القانوني الحالي الباب مفتوحاً أمام أي رئيس وزراء إصلاحي لإجراء تغييرات في بنية الحشد دون الحاجة إلى موافقة البرلمان.

وكان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد أعرب في يوليو 2025 عن “مخاوف جدية” بشأن آخر نسخة من مشروع قانون الحشد الشعبي، قبل سحبه من البرلمان بشهر واحد.

وفي المقابل، طرحت واشنطن تصوراً بديلاً يقضي بدمج الحشد الشعبي مع بقية المؤسسات الأمنية ضمن وزارة جديدة تخضع مباشرة لرئيس الوزراء.

ورغم أن الحشد الشعبي يتبع نظرياً لرئيس الوزراء حالياً، فإنه غالباً ما ينفذ عمليات مستقلة عن التوجيهات الرسمية للدولة العراقية، بما في ذلك الهجمات الأخيرة ضد المصالح الأميركية وحلفائها.

ويُعد تصريح أكرم الكعبي، زعيم حركة حزب الله النجباء، مثالاً واضحاً على ذلك، إذ أعلن عام 2015 أن المرشد الأعلى الإيراني يمثل “مرجعية القيادة” للحركة، وألمح إلى إمكانية تدخل الحشد الشعبي لتغيير الحكم في العراق إذا صدر قرار ديني بذلك.

ورداً على الدعوات الأميركية لنزع السلاح، قال الكعبي إن هذه الأسلحة “حمت العراق من داعش ومن داعميه الأميركيين”، مؤكداً أنها لن تُسلّم ما دام مقاتلوه على قيد الحياة.

وبينما ترفض بعض الفصائل، مثل النجباء، الاندماج الكامل في مؤسسات الدولة، تبدي جماعات أخرى مثل عصائب أهل الحق استعداداً للنظر في هذا الخيار إذا كان يضمن لها استمرار نفوذها السياسي والاقتصادي.

وأشار وزير الصحة العراقي عبد الحسين الموسوي إلى أن بعض الفصائل قد تسلّم أسلحتها للدولة إذا توفرت الظروف المناسبة.

الزيدي يواجه مشكلة أكثر إلحاحاً ستحدد إلى حد كبير نجاح حكومته واستقرار العراق السياسي، وهي قضية نزع سلاح الفصائل المسلحة.

وتشير تقارير إلى أن قيادات شيعية بارزة شكلت لجنة ثلاثية لمعالجة ملف نزع السلاح بالتزامن مع اختيار الزيدي رئيساً للوزراء.

وتضم اللجنة الزيدي، ورئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، وهادي العامري زعيم منظمة بدر.

ورغم عدم الكشف عن تفاصيل المقترحات المطروحة، فإن المعلومات المتوافرة تشير إلى أنها تهدف إلى تعزيز الحشد الشعبي أكثر من تفكيكه.

ويبدو أن بعض الأطراف العراقية تسعى إلى إعادة إنتاج محاولات سابقة اقتصرت على إدخال تعديلات شكلية تمنح الفصائل مظهراً رسمياً دون أن تقطع فعلياً ارتباطها بطهران.

ويتمثل التحدي الأكبر أمام الزيدي في إقناع جميع الأطراف بالسير في اتجاه واحد، سواء الفصائل المسلحة أو الحكومات في بغداد وطهران وواشنطن.

فالجميع يتحدث نظرياً عن “حصر السلاح بيد الدولة”، لكن لا يوجد اتفاق على معنى ذلك عملياً.

ويزداد الأمر تعقيداً بسبب محدودية الخبرة السياسية للزيدي، الذي لا يُعرف عنه الكثير خارج عالم الأعمال.

وقد لفت الانتباه سابقاً بصفته رئيس مجلس إدارة مصرف الجنوب الإسلامي للاستثمار والتمويل.

وفي فبراير 2024، منع البنك المركزي العراقي المصرف من المشاركة في مزاد الدولار اليومي، ضمن حملة استهدفت الحد من الاحتيال وغسل الأموال ومنع وصول الدولار إلى إيران.

ومع ذلك، لم تشكل هذه الخلفية عائقاً أمام قبول واشنطن بتكليفه رئاسة الحكومة.

وقد ظهر الزيدي كحل توافقي بعد خمسة أشهر من الجمود السياسي، إذ رأت فيه قوى الإطار التنسيقي شخصية مرنة يمكن التأثير عليها، فيما اعتبرت واشنطن أن خلفيته الاقتصادية تجعله خياراً أقل إشكالية من شخصيات ترتبط مباشرة بالفصائل المسلحة.

لكن خلفيته وعلاقاته لا توفر حتى الآن مؤشرات واضحة على كيفية معالجته لملف الفصائل المسلحة، الذي يُرجح أن يكون القضية الأهم خلال فترة ولايته.

وحتى إذا نجح في تحقيق توازن دقيق بين المطالب الأميركية والإيرانية، فإن التحديات الأخرى لن تكون أقل صعوبة.

و يواجه العراق أزمة مالية متوقعة نتيجة تراجع صادرات النفط، التي تشكل نحو 90 في المئة من إيرادات الدولة، بسبب إغلاق مضيق هرمز، إضافة إلى الأعباء الكبيرة التي يفرضها القطاع العام المتضخم على الموازنة.

ولذلك، فإن القول إن الزيدي يواجه مهمة صعبة لا يفي حجم التحديات التي تنتظره حقها.

فحلفاء إيران في العراق لا يريدون رئيس حكومة مستقلاً يستجيب للمطالب الأميركية، بينما تبدو واشنطن مصممة على تقليص النفوذ الإيراني والتعامل بحزم مع الفصائل الموالية لطهران.

وإذا أخفق الزيدي في تحقيق التوازن بين الجانبين، فإنه قد يخسر إما الدعم السياسي الداخلي الذي يحتاجه للبقاء، أو الدعم الأميركي الذي استقبل حكومته بترحيب حذر.

وفي ظل إدارة أميركية تبدو أكثر ميلاً لاستخدام الضغوط والعقوبات بدلاً من الحوافز، فإن فشل هذا التوازن قد تكون له تداعيات خطيرة ليس على حكومة الزيدي فقط، بل على مستقبل الاستقرار في العراق بأكمله.

 

اضف تعليقك