(عاد/ موسكو) متابعات:
فتح الإعلان عن إنشاء ما سُمّي بـ”إقليم المنطقة الوسطى” في ليبيا بابا جديدا من الجدل السياسي والقانوني في بلد لا تزال مؤسساته تعاني من الانقسام والازدواجية، فيما لم تتعاف الدولة بعد من آثار أكثر من عقد من الصراع والتجاذبات حول السلطة وشكل النظام السياسي.
ولم يكن الإعلان عن الإقليم مجرد خطوة إدارية عابرة أو مبادرة تنسيقية بين عدد من البلديات، بل تحوّل بسرعة إلى قضية رأي عام أثارت احتجاجات واعتراضات في مدن عدة، وأعادت إلى الواجهة النقاش القديم المتجدد حول اللامركزية والأقاليم وحدود السلطة المحلية في ليبيا.
بعد ساعات قليلة من الإعلان عن تأسيس “إقليم المنطقة الوسطى”، شهدت مدينتا بني وليد وترهونة احتجاجات رافضة لإدراج المدينتين ضمن الكيان الجديد، حيث اعتبر محتجون أن اتخاذ قرار بهذه الحساسية لا يمكن أن يتم دون الرجوع إلى السكان أو إجراء حوار مجتمعي واسع يحدد طبيعة المشروع وأهدافه وانعكاساته السياسية والإدارية.
وطالب المشاركون في التحركات الاحتجاجية بإعادة النظر في المبادرة وفتح نقاش علني بشأنها، مؤكدين أن أي ترتيبات تتعلق بمستقبل المناطق الليبية ينبغي أن تقوم على توافقات واضحة لا على تفاهمات محدودة بين بعض المجالس المحلية أو القوى النافذة.
ويضم “إقليم المنطقة الوسطى” تسع بلديات هي مصراتة وبني وليد وتينيناي والمردوم وزليتن والخمس وترهونة وقصر الأخيار ومسلاتة، فيما يقول القائمون على المشروع إن الهدف منه يتمثل في تعزيز التنسيق والتعاون بين البلديات وتحسين الخدمات ودفع جهود التنمية المحلية، خاصة في ظل ما تعانيه مناطق عديدة من ضعف البنية التحتية وتراجع الخدمات وتعقيدات الإدارة المركزية.
لكن هذا التبرير الإداري لم يكن كافيا لاحتواء موجة الجدل، إذ سرعان ما انتقل النقاش من البعد التنموي إلى أبعاد سياسية أعمق تتعلق بطبيعة الدولة الليبية نفسها، وحدود العلاقة بين المركز والأطراف، وإمكانية أن تتحول المبادرات المحلية إلى نواة لترتيبات سياسية أو جغرافية جديدة.
ويأتي هذا الجدل في توقيت شديد الحساسية، حيث لا تزال ليبيا تعيش حالة من الانقسام المؤسساتي بين حكومات وأجسام سياسية متنافسة، بينما تتعثر الجهود الرامية إلى إجراء انتخابات عامة وإنهاء المرحلة الانتقالية الممتدة منذ سنوات.
وفي ظل هذا الواقع ينظر الكثير من الليبيين بحذر إلى أي مشروع يحمل طابعا مناطقيا أو جغرافيا، خوفا من أن يؤدي إلى ترسيخ الانقسامات القائمة بدل المساهمة في تجاوزها.
ويرى منتقدو المشروع أن إنشاء إطار إقليمي جديد، حتى وإن جرى تقديمه بوصفه منصة للتعاون البلدي، قد يفتح الباب تدريجيا أمام تكريس منطق المناطق وموازين القوى المحلية على حساب فكرة الدولة الوطنية الجامعة.
ويعتقد هؤلاء أن الأزمة الليبية لم تكن في جوهرها مجرد أزمة خدمات أو إدارة محلية، بل أزمة صراع على السلطة والنفوذ، وهو ما يجعل أي إعادة لترتيب العلاقة بين المدن والمناطق مسألة شديدة الحساسية سياسيا وأمنيا.
كما يخشى معارضون للمبادرة أن تتحول الأقاليم أو الكيانات الجهوية إلى أدوات جديدة لتعزيز نفوذ قوى محلية تمتلك ثقلا اقتصاديا أو عسكريا، خصوصا في ظل استمرار هشاشة مؤسسات الدولة وضعف قدرتها على فرض سلطة مركزية موحدة على كامل الأراضي الليبية.
وفي المقابل يدافع مؤيدو المشروع عن فكرة الإقليم باعتبارها محاولة عملية لمعالجة اختلالات التنمية وتحسين التنسيق بين البلديات بعيدا عن التجاذبات السياسية التي عطلت مؤسسات الدولة المركزية طوال السنوات الماضية.
ويشير هؤلاء إلى أن البلديات الليبية تعاني منذ فترة طويلة من محدودية الصلاحيات وضعف الإمكانيات المالية والإدارية، الأمر الذي جعل الكثير من المناطق عاجزة عن تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان.
ومن هذا المنطلق يرى أنصار المبادرة أن التعاون بين البلديات يمكن أن يشكل آلية لتجاوز التعقيدات البيروقراطية وتحسين مستوى الخدمات وتنفيذ مشاريع تنموية مشتركة، خاصة في المناطق التي تربطها مصالح اقتصادية واجتماعية وجغرافية متقاربة.
غير أن هذا الطرح لا يلغي التساؤلات القانونية التي أثيرت فور الإعلان عن الإقليم الجديد، إذ يرى عدد من الخبراء القانونيين أن إنشاء الأقاليم أو تعديل البنية الإدارية للدولة لا يدخلان ضمن صلاحيات المجالس البلدية، بل يعدان من اختصاص المؤسسات التشريعية الوطنية المخولة بإقرار القوانين المنظمة لشكل الدولة ووحداتها الإدارية.
ومن هنا يبرز سؤال أساسي يتعلق بالطبيعة القانونية لـ”إقليم المنطقة الوسطى”: هل سيكون مجرد إطار تنسيقي بين البلديات لتبادل الخبرات وتنفيذ مشاريع مشتركة؟ أم أن الأمر قد يتطور لاحقا إلى كيان يتمتع بصلاحيات سياسية أو إدارية أوسع؟
وحتى الآن لا تبدو هناك إجابات واضحة، وهو ما ساهم في زيادة الغموض المحيط بالمبادرة وأعطى مساحة أوسع للتأويلات السياسية.
ويعيد هذا الجدل إلى الواجهة ملف اللامركزية الذي ظل واحدا من أكثر الملفات تعقيدا في ليبيا منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011.
وخلال العقود السابقة اتسمت الدولة الليبية بمركزية شديدة في إدارة السلطة والثروة، وهو ما دفع بعد 2011 إلى تصاعد مطالب تدعو إلى منح البلديات والمناطق صلاحيات أوسع في إدارة شؤونها المحلية وتحقيق قدر أكبر من التوازن التنموي.
لكن النقاش حول اللامركزية ظل دائما مرتبطا بمخاوف من أن تتحول المطالب الإدارية والتنموية إلى مشاريع ذات أبعاد سياسية أو جهوية قد تهدد وحدة الدولة.
ولهذا يحرص الكثير من السياسيين والفاعلين الليبيين على التمييز بين اللامركزية الإدارية، باعتبارها آلية لتحسين الإدارة المحلية، وبين إنشاء أقاليم ذات طابع سياسي أو جغرافي قد تعيد إنتاج الانقسامات التاريخية داخل البلاد.
وتستحضر هذه المخاوف تجربة ليبيا التاريخية مع نظام الأقاليم، إذ تأسست الدولة الليبية بعد الاستقلال عام 1951 وفق نظام اتحادي ضم ثلاثة أقاليم رئيسية هي طرابلس وبرقة وفزان.
لكن هذا النظام لم يستمر طويلا، حيث جرى التخلي عنه مطلع ستينات القرن الماضي لصالح الدولة الموحدة ذات الإدارة المركزية، بعدما اعتُبر أن النظام الاتحادي لم ينجح في بناء مؤسسات قوية قادرة على إدارة البلاد بشكل متوازن.
ورغم ذلك، ظل النقاش حول الأقاليم والفيدرالية واللامركزية يعود إلى الواجهة كلما تعمقت الأزمات السياسية أو تصاعد الشعور بالتهميش في بعض المناطق.
وقد عاد هذا الجدل بقوة بعد 2011 مع تحول بعض المدن والمناطق إلى مراكز نفوذ سياسية وعسكرية واقتصادية تمتلك تأثيرا مباشرا في المشهد الليبي.
كما يتزامن الجدل الحالي مع محاولات مستمرة لإحياء العملية السياسية عبر مبادرات الحوار والتسوية، كان آخرها الحوار المهيكل الليبي الذي شاركت فيه شخصيات سياسية واجتماعية من مختلف أنحاء البلاد سعيا إلى إيجاد أرضية مشتركة لتجاوز حالة الانسداد السياسي.
غير أن النقاش الذي أثاره “إقليم المنطقة الوسطى” كشف أن مسألة توزيع السلطة بين المركز والأطراف لا تزال واحدة من أعقد القضايا التي تواجه ليبيا، وأن أي محاولة لإعادة تنظيم العلاقة بين البلديات والمناطق سرعان ما تتحول إلى نقاش أوسع حول شكل الدولة ومستقبل نظام الحكم.
وفي ظل استمرار الاعتراضات والاحتجاجات، يبدو أن المبادرة ستظل محل نقاش سياسي وقانوني خلال الفترة المقبلة، خاصة إذا لم تُطرح بصورة أكثر وضوحا وضمن إطار وطني أشمل يحدد طبيعتها وحدودها وأهدافها.
القضية لم تعد تتعلق بمجرد تنسيق إداري بين البلديات، بل باتت ترتبط مباشرة بالسؤال الأكثر حساسية في ليبيا منذ سنوات: كيف يمكن بناء دولة موحدة قادرة على استيعاب التوازنات المحلية والمناطقية دون أن تتحول هذه التوازنات إلى مصدر دائم للانقسام؟
وفي بلد لا تزال مؤسساته منقسمة وسلطته المركزية محل نزاع، تبدو أي مبادرة تحمل بعدا جغرافيا أو مناطقيا قابلة لإثارة المخاوف والشكوك، حتى وإن رُفعت تحت شعارات التنمية والتعاون المحلي.
ولهذا فإن الجدل حول “إقليم المنطقة الوسطى” يعكس في جوهره أزمة أعمق تتجاوز حدود البلديات المعنية، وتتصل مباشرة بمستقبل الدولة الليبية وطبيعة النظام السياسي الذي يمكن أن يحقق التوازن بين وحدة البلاد وخصوصيات مناطقها المختلفة.
























