(عاد/ فرنسا) متابعات:
تدخل معركة حصر السلاح بيد الدولة في العراق مرحلة أكثر حساسية وتعقيداً مع بروز أولى الاعتراضات العلنية من فصائل مسلحة بارزة على المشروع الذي تتبناه حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي، في مؤشر إلى أن الطريق نحو إنهاء ازدواجية السلاح والقرار الأمني لن يكون سهلاً، رغم الدعم السياسي الذي تحظى به الخطة والضغوط الداخلية والخارجية الداعمة لها.
وجاء موقف حركة النجباء الرافض لأي نقاش يتعلق بالتخلي عن سلاحها ليضع المشروع الحكومي أمام اختبار حقيقي، ليس فقط على مستوى التنفيذ، بل أيضاً على مستوى قدرة الدولة على بناء توافق سياسي وأمني حول واحدة من أكثر القضايا حساسية في العراق منذ عام 2003.
وفي الوقت الذي باشرت فيه اللجنة الحكومية المختصة خطواتها العملية لتنفيذ مشروع حصر السلاح بيد الدولة، أعلنت الحركة تمسكها بما وصفته بـ”السلاح المقدس المنضبط”، مؤكدة أن موقفها لم ولن يتغير.
ويعكس هذا الموقف وجود تيار داخل بعض الفصائل لا يزال يعتبر سلاحه جزءاً من هوية سياسية وعقائدية تتجاوز الأطر الرسمية للدولة، وهو ما يتعارض مع الرؤية التي تتبناها الحكومة الحالية لإعادة تنظيم المشهد الأمني وحصر القوة المسلحة بالمؤسسات الشرعية.
وتحمل هذه التطورات دلالات تتجاوز الخلاف حول ملف أمني بحت، إذ ترتبط مباشرة بمستقبل الدولة العراقية نفسها. فالحكومة تسعى إلى إنهاء حالة تعدد مراكز القوة التي رافقت المشهد العراقي لسنوات طويلة، بينما ترى بعض الفصائل أن أي حديث عن تسليم السلاح أو إعادة تنظيمه قد يهدد الدور الذي راكمته خلال السنوات الماضية داخل المعادلة السياسية والأمنية.
ويبدو أن اعتراض النجباء يمثل أول مؤشر واضح على احتمال تشكل جبهة رافضة للمشروع الحكومي، خاصة أن الحركة تعد من أبرز الفصائل التي احتفظت بخطاب متشدد تجاه مسألة السلاح.
وكان أمينها العام أكرم الكعبي قد دعا في وقت سابق الفصائل المسلحة إلى رفض أي نقاش بشأن مصير أسلحتها، في موقف يعكس تمسكاً بخيار الاستقلال عن الترتيبات الجديدة التي تعمل بغداد على فرضها.
غير أن المشهد الحالي يختلف عن مراحل سابقة شهدت محاولات مماثلة لتنظيم السلاح. فالحكومة تبدو اليوم أكثر ثقة بقدرتها على المضي في هذا المسار، مستندة إلى دعم سياسي متزايد من قوى رئيسية داخل التحالف الحاكم، فضلاً عن وجود متغيرات إقليمية ودولية تدفع باتجاه تعزيز سلطة الدولة وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة خارج المؤسسات الرسمية.
وفي هذا السياق، منح الإطار التنسيقي رئيس الوزراء تفويضاً واسعاً لاتخاذ ما يراه مناسباً لحماية المصالح العليا للبلاد، وهو ما يُنظر إليه باعتباره غطاءً سياسياً مهماً لمواصلة مشروع حصر السلاح دون تراجع أمام الاعتراضات المحتملة.
الطريق نحو إنهاء ازدواجية السلاح والقرار الأمني لن يكون سهلاً، رغم الدعم السياسي الذي تحظى به الخطة الحكومية والضغوط الداخلية والخارجية الداعمة لها.
كما أن التطورات الأخيرة كشفت عن تباينات متزايدة داخل البيت الشيعي بشأن مستقبل السلاح. فبينما تتمسك بعض الفصائل بمواقفها التقليدية، بدأت قوى أخرى في إبداء مرونة أكبر تجاه خطط الحكومة. وقد شكل قرار مقتدى الصدر فك ارتباط سرايا السلام بالتيار الوطني الشيعي وإلحاقها بالدولة خطوة لافتة في هذا الاتجاه، خصوصاً أنه دعا بقية الفصائل إلى اتخاذ خطوات مماثلة.
وكذلك أعلنت فصائل أخرى، بينها عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي، اتخاذ إجراءات تنظيمية تتعلق بحصر أعداد المنتسبين وجرد الأسلحة وإعادة ترتيب العلاقة مع القائد العام للقوات المسلحة.
ورغم أن هذه الخطوات لا تعني بالضرورة التخلي الكامل عن النفوذ العسكري، فإنها تعكس استعداداً للتكيف مع المتغيرات الجديدة والانخراط في مسار تنظيمي تقوده الدولة.
ويمنح هذا الانقسام الحكومة فرصة مهمة لتعزيز مشروعها، إذ لم تعد تواجه موقفاً موحداً من جميع الفصائل كما كان الحال في السابق. بل إن بعض القوى باتت ترى أن الانخراط في مؤسسات الدولة قد يكون الخيار الأكثر أماناً في ظل التحولات الإقليمية الجارية وتراجع هامش المناورة أمام الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاور الخارجية.
وتدرك بغداد أن نجاح المشروع لا يعتمد على الضغوط السياسية وحدها، ولذلك تسعى إلى الجمع بين أدوات متعددة تشمل الحوافز الاقتصادية والإدارية.
وتحدثت تقارير عن تخصيص عشرات الآلاف من فرص العمل لعناصر الفصائل الراغبين في تسوية أوضاعهم والاندماج ضمن المؤسسات الرسمية، في محاولة لتوفير بدائل عملية تقلل من مخاوف هذه الجماعات بشأن مستقبل عناصرها.
لكن رغم هذه الحوافز، يبقى التحدي الأكبر مرتبطاً بالفصائل التي ترفض من حيث المبدأ أي نقاش حول سلاحها. فهذه الجماعات تنظر إلى السلاح باعتباره ضمانة سياسية وأداة نفوذ لا يمكن التخلي عنها بسهولة، خصوصاً في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الإقليم.
وفي المقابل، يبدو أن الحكومة تراهن على أن البيئة السياسية الحالية أكثر ملاءمة من أي وقت مضى لفرض معادلة جديدة تقوم على احتكار الدولة لاستخدام القوة. كما أن الضغوط الأميركية والدولية المستمرة لإغلاق ملف السلاح خارج المؤسسات تضيف زخماً إضافياً لهذا التوجه، خصوصاً مع سعي بغداد إلى تجنيب البلاد تداعيات الصراعات الإقليمية ومنع استخدامها كساحة لتصفية الحسابات بين القوى المتنافسة.
ومع تصاعد المواقف الرافضة من جهة، واستمرار الحكومة في تنفيذ خطتها من جهة أخرى، تتحول قضية حصر السلاح إلى اختبار مفصلي لمستقبل الدولة العراقية. فنجاح المشروع سيعني ترسيخ سلطة المؤسسات الرسمية وإنهاء جزء مهم من ظاهرة ازدواجية القرار الأمني، أما تعثره فقد يكرس واقعاً ظل يرافق العراق لسنوات طويلة ويحد من قدرة الحكومات المتعاقبة على فرض سيادتها الكاملة.
وفي هذا السياق، لا يبدو أن معركة حصر السلاح وصلت إلى نهايتها، بل إنها دخلت مرحلتها الأكثر حساسية، حيث لم يعد السؤال يدور حول إطلاق المشروع أو الإعلان عنه، وإنما حول قدرة الدولة على تحويله إلى واقع عملي في مواجهة اعتراضات فصائل ما زالت ترى في السلاح ركناً أساسياً من نفوذها ودورها السياسي.
























