(عاد/ روسيا) متابعات:
تواجه كوبا أخطر أزمة منذ عقود، وتقف على حافة مواجهة محتملة مع واشنطن، غير أن خيارا وحيدا يظهر في الأفق، قد يمنع المعاناة.
ووفق مجلة فورين آفيرز الأمريكية، فإن الوضع الحالي هو لحظة حاسمة قد تحدد مستقبل الجزيرة: إما إصلاح تدريجي برعاية واشنطن، أو فوضى اقتصادية قد تنتهي بتدخل أمريكي مباشر.
ومنذ مطلع العام الجاري، بدأت أزمة كوبا تتفاقم حيث خسرت البلاد أهم داعم اقتصادي بعد اعتقال الولايات المتحدة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، خاصة بما كانت تقدمه كاراكاس لهافانا من نفط مدعوم كان يخفف من أزمتها المزمنة.
ومع استمرار العقوبات الأمريكية وسياسة “الضغط الأقصى” الأمريكية، دخل الاقتصاد الكوبي مرحلة حرجة، وفق المجلة التي أشارت إلى معاناة الجزيرة من انقطاعات يومية للكهرباء، وتوقف في الخدمات الأساسية، ونقص حاد في الوقود والغذاء، إضافة إلى تدهور مستويات المعيشة بشكل غير مسبوق.
وبحسب التحليل، فقد حاولت إدارة ترامب خلال الأشهر الماضية فتح قنوات اتصال غير معلنة مع القيادة الكوبية والتواصل مع شخصيات مرتبطة بعائلة كاسترو لإقناع هافانا بقبول انفتاح اقتصادي وأمني مقابل تخفيف الضغوط.
لكن الحكومة الكوبية، بدلًا من تقديم تنازلات كبيرة، فضلت المراهنة على عامل الوقت، حيث تعتقد أن انشغال واشنطن بحروب أخرى، خاصة في إيران، سيقلل اهتمامها بالملف الكوبي.
ومع ذلك، يبدو أن الإدارة الأمريكية فقدت صبرها تدريجيًا.
وفي مايو/أيار الجاري، فرضت واشنطن عقوبات ثانوية جديدة تهدد أي شركة أجنبية تتعامل مع قطاعات استراتيجية في الاقتصاد الكوبي، مثل الطاقة والتعدين والقطاع المالي.
وتعد هذه الخطوة تصعيدًا غير مسبوق لأنها لا تستهدف كوبا فقط، بل تخيف المستثمرين والشركات الدولية من التعامل معها خشية فقدان الوصول إلى النظام المالي الأمريكي.
كما شهدت الفترة نفسها زيارة مفاجئة لرئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) جون راتكليف إلى هافانا، حيث حمل رسالة مباشرة للقيادة الكوبية تنص على أنه ما زالت هناك فرصة للتفاهم، لكن الوقت ينفد.
وطالبت واشنطن كوبا بقطع تعاونها الأمني مع الصين وروسيا، وإغلاق منشآت التجسس التابعة لهما في الجزيرة، إلى جانب إطلاق سراح السجناء السياسيين وفتح الاقتصاد أمام القطاع الخاص.
وبالتزامن، صعدت الولايات المتحدة الضغط القانوني عبر توجيه اتهام رسمي إلى راؤول كاسترو بشأن حادثة إسقاط طائرات أمريكية مدنية عام 1996 في خطوة تحمل بعدًا رمزيًا وسياسيًا خطيرًا، يمكن استخدامها لاحقًا كذريعة قانونية لأي تحرك عسكري أمريكي ضد النظام الكوبي، خصوصًا مع اتهام هافانا بتخزين مسيرات روسية وإيرانية.
ويرى التحليل أن مشكلة كوبا ليست فقط في الضغوط الأمريكية، بل أيضًا في طبيعة النظام نفسه. فالسلطة داخل البلاد ليست موحدة، بل موزعة بين عدة مراكز نفوذ تضم عائلة كاسترو، والمؤسسة العسكرية الاقتصادية، وأجهزة الأمن، والحزب الشيوعي، ويخشى كل طرف أن تؤدي أي إصلاحات حقيقية تؤدي إلى فقدان نفوذه ومصالحه.
وعلى سبيل المثال، تخشى المؤسسة الاقتصادية العسكرية من أن يؤدي فتح السوق أمام القطاع الخاص والاستثمارات الخارجية إلى تقليص سيطرتها على الاقتصاد.
أما الأجهزة الأمنية، فترفض التخلي عن علاقاتها الوثيقة مع روسيا والصين، في حين يخشى الحزب الشيوعي من أن يقود الانفتاح السياسي إلى انهيار شرعيته الداخلية، خاصة بعد احتجاجات يوليو/تموز 2021 التي كشفت حجم الغضب الشعبي.
ومع ذلك، يعتبر التحليل أن استمرار هذا الجمود يشبه “انتحارًا بطيئًا”، لأن الاقتصاد الكوبي ينهار بوتيرة أسرع من قدرة النظام على السيطرة.
وبالتالي، قد يكون الحل صفقة تدريجية بين الطرفين تقوم على تبادل التنازلات.
ويقوم هذا التصور على أن تقدم كوبا خطوات إصلاحية تشمل إطلاق سراح السجناء السياسيين، وتخفيف القيود على حرية التعبير، والسماح باستثمارات أوسع للقطاع الخاص، خاصة من الكوبيين المقيمين في الخارج، إضافة إلى تقليص هيمنة المؤسسة العسكرية على الاقتصاد.
إضافة إلى تخفيف كوبا تعاونها الأمني مع موسكو وبكين، والعمل على تسوية قضايا الممتلكات الأمريكية التي صادرتها الثورة الكوبية بعد عام 1959.
في المقابل، تقوم الولايات المتحدة تدريجيًا بتخفيف العقوبات، وإزالة كوبا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، والسماح للشركات الأمريكية بالاستثمار في قطاعات السياحة والطاقة والزراعة، وتخفيف قيود السفر والتحويلات المالية.
وقد تقبل واشنطن بمرحلة انتقالية لا تتضمن ديمقراطية كاملة فورًا، بل تركز أولًا على الاستقرار الاقتصادي والانفتاح التدريجي، على غرار ما حدث في دول أخرى.
تجارب سابقة
ورغم مواقفه المتشددة تجاه كوبا، قد يكون وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الشخص الوحيد القادر سياسيًا على تسويق مثل هذه الصفقة داخل الحزب الجمهوري وبين الكوبيين الأمريكيين.
وبوضعها الحالي، تشبه كوبا تجارب مثل فيتنام وبولندا لكن الجزيرة تواجه ظروفًا أصعب فالسكان أكبر سنًا وهناك هجرة واسعة للكفاءات إضافة إلى البنية التحتية المتهالكة، وغياب مصادر التمويل دولية خاصة وأن المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد والبنك الدولي لن تساعد هافانا دون موافقة أمريكية.
وفي حين تخشى القيادة الكوبية التفاوض تحت الضغط الأمريكي لأن ذلك يعيد إلى الأذهان تاريخ الهيمنة الأمريكية على الجزيرة منذ بداية القرن العشرين، إلا أن الأولوية اليوم يجب أن تكون لإنقاذ الشعب الكوبي من الانهيار، حتى لو كان ذلك عبر تفاهم مؤلم مع واشنطن، على حد قول فورين آفيرز.
























