حرب إيران تعيد رسم أولويات السعودية الأمنية والاقتصادية

2026/05/25م

(عاد/ موسكو) متابعات:

لم تعد الحرب الدائرة مع إيران حدثا أمنيا عابرا في حسابات السعودية، بل تحولت إلى اختبار إستراتيجي يطال جوهر المشروع الذي راهنت عليه المملكة خلال العقد الأخير. فبينما سعت الرياض إلى بناء نموذج جديد يقوم على تحويل الثقل النفطي إلى قوة اقتصادية واستثمارية عالمية، جاءت المواجهة الإقليمية لتعيد الاعتبارات الأمنية إلى صدارة الأولويات، مذكّرة بأن الاستقرار لا يزال الشرط الأول لأي تحول اقتصادي مستدام.

وفي ظل اضطراب أسواق الطاقة، وتعطل طرق التجارة، وتزايد المخاطر العسكرية، تجد المملكة نفسها أمام لحظة مفصلية تفرض عليها الموازنة بين متطلبات الأمن القومي واستحقاقات التنمية، وبين طموحات رؤية 2030 وحقائق الجغرافيا السياسية التي عادت لتفرض نفسها بقوة على المنطقة.

أعادت الحرب الدائرة مع إيران رسم أولويات السعودية الأمنية والاقتصادية بصورة متسارعة، بعدما وجدت المملكة نفسها في قلب أزمة إقليمية تهدد الأسس التي بنت عليها مشروعها للتحول الاقتصادي خلال السنوات الأخيرة.

وبين الضغوط الأمنية المتزايدة، والتداعيات الاقتصادية الناتجة عن إغلاق مضيق هرمز وتصاعد التوترات العسكرية، تبدو الرياض اليوم أمام مرحلة جديدة تفرض مراجعة واسعة لحساباتها الإستراتيجية، سواء على مستوى الأمن الإقليمي أو مستقبل رؤية 2030.

وفي أوائل مايو 2026 أعلنت وزارة المالية السعودية تسجيل عجز في ميزانية الربع الأول بلغ 125.7 مليار ريال سعودي، أي ما يعادل 33.5 مليار دولار، وهو أكبر عجز فصلي تشهده المملكة منذ ما يقرب من ثماني سنوات.

الأزمة الحالية تهدد المعادلة السعودية منذ عام 2021، والمتمثلة في ربط الاستقرار الإقليمي بمشروع التحول الاقتصادي الداخلي

ولم يكن هذا الرقم مجرد مؤشر اقتصادي عابر، بل عكس حجم الارتدادات التي فرضتها الحرب على الاقتصاد السعودي، في ظل اضطراب أسواق الطاقة وتعطل جزء كبير من حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس صادرات النفط المنقولة بحرا في العالم.

كما خفّض كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي توقعاتهما لنمو الاقتصاد السعودي، رغم تأكيدهما أن المملكة لا تزال أكثر قدرة من عدد من جيرانها الخليجيين على امتصاص الصدمات، بفضل احتياطياتها المالية الكبيرة وأدواتها الاقتصادية المرنة. لكن هذه التطمينات لم تُخفِ حجم التحدي الذي تواجهه الرياض، خاصة إذا استمرت الحرب أو بقي مضيق هرمز مغلقا لفترة أطول.

وتتجاوز الأزمة الحالية الأبعاد الاقتصادية المباشرة، إذ تضرب في العمق الفرضية التي قامت عليها السياسة السعودية منذ عام 2021، والمتمثلة في ربط الاستقرار الإقليمي بمشروع التحول الاقتصادي الداخلي.

وتبنت الرياض خلال السنوات الأخيرة سياسة تقوم على خفض التصعيد في المنطقة، سعيا إلى توفير بيئة آمنة تسمح بتدفق الاستثمارات الأجنبية والسياحة والمشاريع الكبرى المرتبطة برؤية 2030.

وفي هذا الإطار اتخذت المملكة سلسلة خطوات لخفض التوترات، أبرزها تجميد الحملة العسكرية في اليمن عام 2022، والانفتاح على خصوم إقليميين، وفي مقدمتهم إيران، عبر الاتفاق الذي رعته الصين في بكين عام 2023. كما سعت الرياض إلى تقديم نفسها كقوة استقرار إقليمي قادرة على الجمع بين النفوذ السياسي والانفتاح الاقتصادي.

غير أن الحرب الحالية كشفت حدود هذا المسار، وأظهرت أن التفاهم السعودي – الإيراني لم ينجح في تجاوز التناقضات البنيوية بين الطرفين، بل ساهم فقط في تهدئة مؤقتة للصراع.

ومع اندلاع المواجهة عادت التوترات إلى الواجهة بصورة أكثر حدة، ما وضع المملكة أمام معادلة معقدة تجمع بين الرغبة في إضعاف إيران والخشية من الانزلاق إلى حرب مفتوحة تستنزف الاقتصاد والأمن معا.

وفي هذا السياق تحدثت تقارير إعلامية أميركية عن دور سعودي غير معلن في تشجيع واشنطن على تشديد الضغط العسكري على طهران.

وذكرت تقارير أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أجرى اتصالات مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل اندلاع الحرب، داعيا إلى تبني موقف أكثر حزما تجاه إيران، رغم تمسك الرياض علنا بخطاب يدعو إلى التهدئة والحلول الدبلوماسية.

وتعكس هذه الازدواجية حجم المأزق السعودي؛ فمن جهة ترى الرياض أن إضعاف إيران قد يفتح الباب أمام إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية لمصلحتها، خصوصا بعد تراجع نفوذ حلفاء طهران في عدد من الساحات العربية، ومن جهة أخرى تدرك أن الانخراط المباشر في الحرب يحمل مخاطر كبيرة على استقرارها الداخلي ومشروعها الاقتصادي.

ويبرز مضيق هرمز كأحد أهم عناصر هذا التحدي. فالإغلاق شبه الكامل للمضيق أدى إلى اضطرابات حادة في صادرات النفط وحركة التجارة العالمية، ما انعكس مباشرة على الاقتصاد السعودي.

ورغم نجاح المملكة في تحويل جزء من صادراتها النفطية عبر خط الأنابيب الممتد إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، فإن هذا البديل لا يمكنه تعويض الأهمية الإستراتيجية لهرمز، خاصة أن معظم صادرات النفط السعودية تتجه نحو الأسواق الآسيوية.

بين الضغوط الأمنية المتزايدة، والتداعيات الاقتصادية الناتجة عن إغلاق مضيق هرمز وتصاعد التوترات العسكرية، تبدو الرياض اليوم أمام مرحلة جديدة تفرض مراجعة واسعة لحساباتها الإستراتيجية

كما أن الاعتماد المتزايد على البحر الأحمر يضع المملكة أمام تهديدات جديدة، في ظل تحذيرات الحوثيين من إمكانية استهداف الملاحة في باب المندب إذا توسعت الحرب أو شاركت دول الخليج بشكل علني في العمليات ضد إيران. وهو ما يعني أن السعودية باتت تواجه ضغوطا مزدوجة، بين تهديدات هرمز في الخليج وتهديدات باب المندب في البحر الأحمر.

وأمام هذه التطورات بدأت الرياض بإعادة ترتيب أولوياتها الاقتصادية. فقد أعلن صندوق الاستثمارات العامة إعادة هيكلة عدد من المشاريع العملاقة المرتبطة بـرؤية 2030، مع تباطؤ تنفيذ مشاريع كبرى مثل “نيوم” و”ذا لاين”، وتأجيل بعض الفعاليات والاستثمارات الترفيهية والرياضية التي كانت تشكل جزءا من صورة المملكة الجديدة.

كما اتجهت الحكومة إلى تقليص الإنفاق على مشاريع خارجية واستثمارات غير أساسية، في محاولة للحفاظ على الاستقرار المالي الداخلي، وتجنب استنزاف الاحتياطيات في ظل حالة عدم اليقين التي تفرضها الحرب.

ويعكس هذا التحول إدراكا متزايدا بأن الأولوية في المرحلة الحالية لم تعد التوسع السريع في المشاريع الضخمة، بل حماية الاقتصاد الوطني من تداعيات الصراع، وضمان استمرار الإنفاق على القطاعات الأساسية، خصوصا الرواتب والخدمات العامة، التي تشكل ركيزة الاستقرار الاجتماعي داخل المملكة.

وفي الجانب الأمني كشفت الحرب حدود فاعلية المظلة الدفاعية الأميركية التي اعتمدت عليها السعودية لعقود. فرغم وجود أنظمة دفاع جوي متطورة واعتراض مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة، تمكنت هجمات إيرانية وفصائل مرتبطة بطهران من استهداف منشآت نفطية وقواعد عسكرية داخل المملكة.

وأثار ذلك تساؤلات داخل السعودية بشأن مدى قدرة الشراكة الأمنية مع واشنطن على توفير حماية كاملة، خاصة في مواجهة الحروب الحديثة القائمة على الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة منخفضة الكلفة.

ودفع هذا الواقع الرياض إلى تسريع سياسة تنويع شراكاتها الأمنية. فقد عززت تعاونها العسكري مع باكستان، التي أرسلت قوات ومعدات إلى المملكة بموجب اتفاق دفاعي مشترك، كما توسع التعاون مع أوكرانيا في مجالات التصدي للطائرات المسيّرة، إلى جانب استمرار الشراكات الدفاعية مع دول أوروبية مثل اليونان.

لكن هذه التحركات، رغم أهميتها، لا تعني التخلي عن التحالف مع الولايات المتحدة، بل تعكس محاولة سعودية لتقليل الاعتماد الحصري على واشنطن، وبناء شبكة أوسع من الشركاء الأمنيين في ظل التحولات التي يشهدها النظام الإقليمي.

وتبدو السعودية اليوم أمام لحظة إستراتيجية فارقة. فالحرب مع إيران لم تفرض فقط تحديات عسكرية وأمنية، بل دفعت المملكة إلى إعادة النظر في أولوياتها الاقتصادية وتحالفاتها الإقليمية والدولية، في وقت تتغير فيه موازين القوى في الشرق الأوسط بوتيرة متسارعة.

اضف تعليقك