(عاد/ موسكو) متابعات:
بالتزامن مع استئناف الدراسة يواجه الطلاب والمعلمون في إيران العديد من التحديات، بدءاً من تعويض ما فاتهم من دروس، وصولاً إلى التكيف مع الأجواء التي لعلها ما زالت مشحونة. ومع ذلك، فإن هذه العودة تمثل فرصة حقيقية للطلاب لاستعادة روتينهم اليومي والتركيز على مستقبلهم الأكاديمي. وستحتاج المدارس إلى وضع خطط لتعويض الفاقد التعليمي خلال فترة الإغلاق. كما قد يحتاج بعض الطلاب إلى دعم نفسي لمساعدتهم على تجاوز آثار الاضطرابات الأخيرة.
وفي ظل نظام تعليمي يعاني أصلا من عدم تكافؤ الفرص بين الطلاب نتيجة عدم المساواة الطبقية، حولت الحرب الإيرانية – الأميركية بيوت أكثر من 16 مليون طالب إيراني إلى صفوف دراسية لا تقل ضجيجا عن المدارس الابتدائية التي أغلقت أبوابها بسبب الحرب الأخيرة، ما أفقد المدرسة والجامعة قدرتهما على ضمان الحد الأدنى من الاستمرارية التي تُبنى عليها المعرفة.
ومنذ جائحة كورونا التي حولت لأول مرة بيوت الإيرانيين إلى مدارس وجامعات لأشهر طويلة، قلبت الاحتجاجات المتكررة في الشارع تقويم العام الدراسي رأسا على عقب، ثم التوترات العسكرية إبان حرب الـ12 يوما والحرب الأخيرة.
وقال الأكاديمي بجامعة طهران محمد مالجو إن ما يضيع ليس مجرد محتوى دراسي يمكن تعويضه بحزمة إضافية، بل هو نسيج التطور الفكري والمعرفي نفسه، مشيرا إلى أن التعلم الحقيقي ليس عملية تجميع معلومات بقدر ما هو تراكم بطيء ومستمر للمهارات الإدراكية، من تفكير نقدي وتحليل وربط بين الأفكار، معتبرا أن هذا التراكم هو أول ضحايا التوقفات المتكررة في النظام التعليمي.
وأضاف مالجو في منشور له على قناته بمنصة تلغرام أنه عندما تصبح التوقفات هي القاعدة لا الاستثناء، يجد الطالب نفسه في كل مرة يبدأ من الصفر تقريبا، و”من هنا تنبع المخاوف الأعمق: جيل كامل من الإيرانيين قد يخرج من هذه الدوامة ليس فقط وهو يفتقر إلى المهارات الأكاديمية الصلبة، بل وهو محروم من الأفق الفكري الذي تمنحه -عادة- مسيرة تعليمية مستقرة”.
وبحسب مالجو، فإن المدرسة والجامعة ليستا مجرد قناتين لنقل المعرفة، بل هما مساحتان تتشكل فيهما رؤية الإنسان للعالم والثقة في المستقبل والقدرة على تخيل الذات في سياق أوسع، موضحا أنه عندما تغيب هاتان المساحتان أو تظلان مهددتين بشكل مستمر، لا يخسر الطلاب عاما دراسيا فحسب، بل قد يخسرون القدرة على الحلم، وهو ما لا يمكن لأي خطة تعويضية طارئة أن تعيد بناءه لاحقا.
وخلال ساعات الدراسة عن بُعد تصبح البيوت في إيران أشبه بـ”خلية نحل” حيث لا يبدي طلاب الصفوف الأولى أهمية للتعليم عن بعد فتأخذ الأمهات على عاتقهن مسؤولية شرح الدروس.
وتنتقد بعض الأمهات المنهج القائم على ضرورة مشاركة ذوي الطلبة في التعليم لأن العديد من المدارس تلقي المسؤولية على عاتق العائلات بهذه الذريعة.
ولأن العديد من أولياء الأمور موظفون يتعين عليهم الدوام صباحا، وشريحة كبيرة منهم لا تستوعب المناهج الدراسية الحديثة، تتساءل الأمهات كيف لهن أن يشرحن دروسا لا يتذكرنها أصلا لطالب غير قادر على التركيز في شاشات الهاتف الصغيرة في ظل الخلل التقني المتكرر في المنصات التعليمية الوطنية.
وقد أصبح المشهد صورة يومية لجيل كامل من تلاميذ علقوا منذ أشهر بين جدران المنازل وشاشات الهواتف، بعد أن سرقت الحرب التي اندلعت في شهر رمضان، وقبلها احتجاجات يناير، فرصتهم في تلقي تعليم طبيعي.
بدورها، لا تخفي المدرّسة مهسا (31 عاما) إحباطها وهي تروي تفاصيل معاناتها اليومية والضغط النفسي الذي يخلفه الواقع الجديد. وقالت “في لحظة ما، وجدت نفسي أصرخ على طفلة لم ترتكب ذنبا سوى أن مدرستها أغلقت”.
وأضافت أن التعليم عن بُعد قضى علی كل ساعات يومها حيث يتعين عليها التدريس صباحا ومتابعة واجبات الطلبة عصرا، واصفة ذلك بأنه مهمة تكاد تكون مستحيلة.
ومع اندلاع الحرب عند الساعة التاسعة والنصف من صباح السبت 28 فبراير الماضي، أُغلقت جميع المدارس والجامعات في إيران، حيث يدرس حوالي 17 مليون تلميذ في 100 ألف مدرسة، و3.5 مليون طالبٍ جامعي في 2700 جامعة.
ولأكثر من شهرين لم يذهب نحو 20 مليون تلميذ وطالب جامعي في إيران إلى صفوفهم الدراسية. وبعد أسبوعٍ من بداية الحرب، أعلنت الحكومة أنّه من أجل الحفاظ على حياة التلاميذ والطلاب يجب أن تُعقد الدروس المدرسية والجامعية من خلال الإنترنت. لكنّ الأجواء الحربية المشحونة والقلق الناتج عنها، إضافةً إلى انتقال أعداد كبيرة من السكان إلى المدن الأقل عرضةً للغارات، أدّيا إلى ضعف الإقبال على الصفوف الافتراضية قبل عطلة رأس السنة الإيرانية.
وبعد ذلك، ومع وقف إطلاق النار الأوّلي في 8 أبريل الماضي، أعلن وزير التربية والتعليم الإيراني أنه “حتى إشعارٍ آخر، لا خطط للعودة إلى التعليم الحضوري، والدروس ستستمرّ افتراضياً”، مؤكداً أنّ أيّ قرارٍ بشأن إعادة فتح المدارس سيُتخذ مع مراعاة الهدوء والاطمئنان بشأن سلامة التلاميذ والمعلّمين.
كما أعلن عبدالوحيد فياضي، عضو لجنة التعليم والبحوث في مجلس الشورى الإيراني، أنّه مع احتمال وقوع اعتداءات جديدة، واستمرار الوضع الحربي غير المستقر، “لا بدّ من مواصلة التعليم الافتراضي”.
أدّى هذا القرار، في ظلّ انقطاع الإنترنت أيضاً، إلى مشاركة طلابية ضعيفة جداً في الصفوف الافتراضية، ما أثار مخاوف الأسر الإيرانية والخبراء التربويين من تراجع المستوى الدراسي وتدهور جودة التعليم، علماً أن التلاميذ والطلاب مروا بعامٍ دراسي غريب وغير مسبوق، تعرّض فيه سير العملية التعليمية لأضرارٍ بالغة، بسبب إغلاق المدارس والجامعات في أعقاب الاحتجاجات في يناير الماضي، والإغلاقات المتقطّعة بسبب تلوّث الهواء.
وكانت رضوان حكيم زاده، نائبة وزير التربية والتعليم الإيراني، قد أكدت هذه المخاوف، مشيرةً إلى أنّ أكثر الأضرار لحقت بتلاميذ المرحلة الابتدائية، إذ لا يستطيع التعليم الافتراضي تحقيق الأهداف التعليمية المرجوّة فيها.
وتعاني المدارس في ايران من توزيع غير عادل للإمكانيات وجودة للتعليم غير متساوية، حيث يتلقى الطلاب في المدارس تعليمًا في ظروف وإمكانيات تعليمية متفاوتة للغاية. وتبدو هذه الفجوة واضحة جدا بين المدارس الحكومية غير الربحية والمدارس الخاصة الربحية.
ويواصل أكثر من مليون طالب تعليمهم في المدارس الربحية، التي تتعلق أساسا بالطبقات المرفهة والعليا في المجتمع. وتتمتع هذه المدارس، التي تعمل برسوم دراسية مرتفعة (بين 35 إلى 80 مليون تومان)، بأفضل الإمكانيات وغالبًا ما تكون صفوفها تحتوي على أقل من 10 طلاب. وتغطي مدارس النخبة والمواهب المتفوقة، التي تُخصص عادةً للطلاب المتميزين من الطبقات العليا، أكثر من 100 ألف طالب، بينما تغطي المدارس الحكومية غير الربحية أكثر من 15 مليون طالب، والتي غالبًا ما تكون قديمة وتفتقر إلى الإمكانيات الكافية. كما أن الكثير من هذه المدارس في المناطق المحرومة والريفية تعاني من ظروف قاسية مثل نقص وسائل التدفئة والتبريد، وندرة المعلمين المحترفين.
ويعد نقص المعلمين المحترفين والمُدرَّبين إحدى المشكلات الكبيرة في التعليم في إيران. بسبب فصل أو تقاعد العديد من المعلمين بشكل إجباري، انخفض عدد المعلمين، وتم استبدالهم بمعلمين غير متخصصين.
ورغم عدم تقديم إحصائيات دقيقة أفاد قاسم أحمدي لاشكي، نائب وزير التعليم للشؤون القانونية والبرلمانية، في مقابلة بأن عدد المعلمين الرسميين المعينين هو 735350 معلمًا.
ودائمًا تواجه وزارة التعليم نقصًا حادًا في المعلمين مع بدء العام الدراسي. وبسبب عدم توفير البنية التحتية، فإن تأمين المعلمين والموارد البشرية اللازمة في المدارس يتم عبر طرق مثل استخدام معلمي الخدمة العسكرية، وشراء الخدمات من القطاع الخاص، واستخدام المتقاعدين، واستخدام الست ساعات المفروضة للمديرين ونوابهم، وهذه الطرق بالتأكيد لا توفر الجودة التعليمية والتربوية اللازمة، وفق خبراء التربية.

























