(عاد/ تركيا) متابعات:
أعادت الأحكام التي أصدرتها محكمة استئناف طرابلس ببراءة عدد كبير من رموز نظام الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي من تهمة قمع المتظاهرين خلال احتجاجات عام 2011، فتح واحد من أكثر الملفات حساسية وتعقيدا في ليبيا بعد نحو خمسة عشر عاما من سقوط النظام السابق. فالقضية التي ارتبطت بأحداث “ثورة 17 فبراير” وما أعقبها من مواجهات دامية، لم تكن مجرد ملف قضائي عادي، بل شكلت على مدى سنوات عنوانا للصراع السياسي والانقسام المجتمعي والجدل حول العدالة الانتقالية في البلاد.
وقضت الدائرة الجنائية بمحكمة استئناف طرابلس ببراءة 31 من قيادات النظام السابق، يتقدمهم رئيس جهاز الاستخبارات الأسبق عبدالله السنوسي ، وآخر رئيس وزراء في عهد القذافي البغدادي المحمودي، إلى جانب شخصيات بارزة أخرى من أركان النظام السابق، من بينها منصور ضو ومحمد أبوالقاسم الزوي ومحمد أحمد الشريف. كما شملت الأحكام إسقاط الدعوى الجنائية عن عدد من المسؤولين السابقين بسبب وفاتهم قبل صدور الحكم النهائي.
ويعد هذا الحكم تحولا لافتا في واحدة من أطول القضايا القضائية التي شهدتها ليبيا منذ إسقاط نظام القذافي. فقد بدأت القضية رسميا عام 2014، بعد سنوات من الجدل والتحقيقات، قبل أن تصدر المحكمة الابتدائية في عام 2015 أحكاما بالإعدام والسجن المؤبد بحق عدد من المتهمين، وهو ما اعتبر حينها محاولة لترسيخ رواية رسمية تحمل أركان النظام السابق مسؤولية القمع الدموي الذي رافق الاحتجاجات.
لكن المحكمة العليا نقضت تلك الأحكام لاحقا وأعادت القضية إلى محكمة الاستئناف، لتدخل بعدها في سلسلة طويلة من التأجيلات والمداولات القانونية استمرت أكثر من أربع سنوات، وسط تعقيدات أمنية وسياسية وقضائية عكست حالة الانقسام العميق التي تعيشها البلاد.
ولم يكن طول أمد المحاكمة مرتبطا فقط بالجوانب القانونية، بل أيضا بطبيعة البيئة الأمنية التي جرت فيها. فمعظم المتهمين ظلوا محتجزين في سجون بطرابلس ومصراتة، فيما خضع بعضهم لسيطرة تشكيلات مسلحة نافذة، أبرزها “جهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة”، الذي اتهم مرارا بعرقلة مثول بعض المتهمين أمام القضاء.
وكان عبدالله السنوسي، أحد أبرز وجوه النظام السابق، في قلب هذا الجدل. فالسنوسي، الذي يعد من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في تاريخ ليبيا الحديث، شغل لسنوات طويلة منصب رئيس جهاز الاستخبارات، كما كان من الدائرة المقربة جدا من القذافي بحكم صلته العائلية به، إذ إنه زوج شقيقة زوجته الثانية صفية فركاش.
أحكام البراءة لا تعني نهاية الجدل، بل قد تكون بداية مرحلة جديدة من الصراع السياسي والقانوني حول الذاكرة الليبية ومسؤولية الأطراف المختلفة عما جرى خلال أحداث 2011 وما تلاها.
وخلال سنوات حكم القذافي، ارتبط اسم السنوسي بعدد من الملفات الأمنية الثقيلة، من بينها قضية “مذبحة سجن أبو سليم” عام 1996، التي قتل فيها مئات السجناء، ولا يزال يواجه على خلفيتها محاكمات منفصلة، إضافة إلى ملاحقته من المحكمة الجنائية الدولية.
ورغم هذه الخلفية الثقيلة، انتهت محاكمته في قضية “قمع المتظاهرين” إلى البراءة، وهو ما اعتبره أنصار النظام السابق دليلا على أن المحاكمات التي جرت بعد 2011 كانت ذات طابع سياسي أكثر منها قضائيا، وأن الاتهامات استخدمت لتصفية حسابات مرتبطة بمرحلة سقوط النظام.
كما أثار الحكم جدلا إضافيا بعد شموله سيف الإسلام القذافي، نجل الزعيم الليبي الراحل، الذي أُسقطت عنه الدعوى بعد مقتله في فبراير الماضي.
وكان سيف الإسلام يعد أبرز الوجوه السياسية المحتملة المرتبطة بالنظام السابق، كما ظل اسمه مطروحا بقوة خلال السنوات الأخيرة في سياق الحديث عن الانتخابات الرئاسية ومستقبل التوازنات السياسية في ليبيا.
وربط مقربون من سيف الإسلام بين استمرار القضية ومحاولات منعه من العودة إلى المشهد السياسي، معتبرين أن الأحكام السابقة كانت تستخدم ذريعة قانونية لإبعاده عن أي استحقاق انتخابي.
وبعد إعلان البراءة، عاد الجدل مجددا بشأن ظروف مقتله، خاصة مع استمرار الغموض حول الجهات المتورطة في اغتياله.
وفي المقابل، يرى خصوم النظام السابق أن أحكام البراءة تمثل ضربة جديدة لمسار العدالة الانتقالية في ليبيا، وتكرس شعورا لدى عائلات الضحايا بأن الجرائم المرتبطة بفترة الثورة والصراع المسلح بقيت من دون محاسبة حقيقية.
كما يخشى كثيرون أن يؤدي هذا المسار إلى تعميق الانقسامات السياسية والاجتماعية، في بلد لا تزال مؤسساته تعاني من الانقسام وضعف السلطة المركزية.
وتكشف القضية أيضا حجم التعقيد الذي يواجه القضاء الليبي منذ سنوات، في ظل التداخل بين السياسة والسلاح والانقسامات الجغرافية. فالكثير من القضايا الكبرى المرتبطة بفترة ما بعد 2011 ظلت رهينة التجاذبات بين القوى المسلحة والسلطات المتنافسة، ما جعل الوصول إلى أحكام نهائية أمرا بالغ الصعوبة.
كما أن القضية تعكس التحولات التي طرأت على المزاج السياسي داخل ليبيا خلال السنوات الأخيرة. فبعد مرحلة اتسمت بإقصاء كامل لرموز النظام السابق، بدأت تظهر تدريجيا دعوات للمصالحة الوطنية وإعادة دمج بعض الشخصيات المرتبطة بالعهد السابق، خاصة مع تراجع الحماس الشعبي تجاه القوى التي تصدرت المشهد بعد سقوط القذافي.
وفي ظل الانسداد السياسي المستمر وتعثر الانتخابات والانقسام بين الحكومات والمؤسسات، بات جزء من الليبيين ينظر إلى مرحلة ما قبل 2011 بوصفها فترة استقرار نسبي مقارنة بحالة الفوضى والانقسام الحالية، وهو ما أعاد فتح النقاش حول دور أنصار النظام السابق ومستقبلهم السياسي.
ومع ذلك، فإن أحكام البراءة لا تعني نهاية الجدل، بل قد تكون بداية مرحلة جديدة من الصراع السياسي والقانوني حول الذاكرة الليبية ومسؤولية الأطراف المختلفة عما جرى خلال أحداث 2011 وما تلاها. فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بمصير شخصيات بعينها، بل أصبحت جزءا من معركة أوسع حول كتابة الرواية الرسمية لتاريخ ليبيا الحديث، وتحديد من يتحمل مسؤولية سنوات الدم والانهيار التي أعقبت سقوط نظام القذافي.

























