سوريا تجدد التزامها بقوانين مقاطعة إسرائيل

2026/05/19م

(عاد/ لبنان) متابعات:

أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع مرسوما خاصا بالجمارك يمنع إدخال البضائع الإسرائيلية إلى البلاد، في خطوة تعكس تمسك دمشق بسياسة المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل رغم التحولات السياسية والإقليمية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.

ووفق المرسوم الذي نشرته وكالة الأنباء السورية الرسمية، فقد نصت المادة 112 على منع دخول بضائع معينة إلى المنطقة الحرة المشتركة مع الأردن، من بينها البضائع المخالفة لقوانين مقاطعة إسرائيل أو للنظام العام.

كما شددت المادة 206 على أن المحكمة الجمركية تطبق “النفاذ المعجل” في قضايا محددة تشمل المخدرات والأسلحة والبضائع الإسرائيلية، ما يضع المنتجات الإسرائيلية ضمن فئة القضايا التي تنظر إليها السلطات السورية باعتبارها تهديدا مباشرا للأمن القومي.

ويعكس هذا القرار استمرار التزام سوريا بالتشريعات الخاصة بمقاطعة إسرائيل، والتي تعود جذورها إلى خمسينات القرن الماضي، حين أقرت جامعة الدول العربية سلسلة من القوانين والإجراءات الهادفة إلى منع أي شكل من أشكال التعاون التجاري أو الاقتصادي مع إسرائيل.

ورغم أن هذه القوانين شهدت تراجعا أو تجميدا في عدد من الدول العربية خلال العقود الأخيرة، فإن سوريا بقيت من بين الدول التي حافظت على موقف متشدد تجاه أي انفتاح اقتصادي أو تجاري مع تل أبيب.

ولا يقتصر الأمر في سوريا على مجرد منع الاستيراد المباشر للبضائع الإسرائيلية، بل يتعداه إلى اعتبار دخول أي منتج إسرائيلي إلى الأسواق المحلية أو المناطق الحرة جريمة تهريب كبرى.

ولهذا جاء المرسوم الجديد ليعيد التأكيد على أن السلطات السورية لا تزال تتعامل مع هذا الملف بوصفه قضية سياسية وأمنية تتجاوز البعد الاقتصادي التقليدي.

كما يحمل القرار أبعادا سياسية تتعلق بالسياق الإقليمي الراهن، خاصة في ظل استمرار الحرب في غزة والتوترات المتصاعدة في المنطقة. فدمشق تسعى إلى تأكيد تمسكها بخطاب “المواجهة” مع إسرائيل في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات متسارعة على مستوى العلاقات العربية الإسرائيلية.

المرسوم يضع المنتجات الإسرائيلية ضمن فئة القضايا التي تنظر إليها السلطات السورية باعتبارها تهديدا مباشرا للأمن القومي.

ومنذ اندلاع الحرب السورية عام 2011، بقيت العلاقة بين سوريا وإسرائيل محكومة بحالة عداء مفتوح، رغم وجود قنوات اتصال غير مباشرة في بعض الملفات الأمنية. كما شهدت السنوات الماضية تصاعدا ملحوظا في الضربات الجوية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، والتي استهدفت مواقع عسكرية مرتبطة بإيران وحلفائها.

وفي ظل هذه التطورات، يبدو أن القيادة السورية تحاول استخدام ملف المقاطعة الاقتصادية كجزء من تثبيت خطابها السياسي الداخلي والخارجي، خاصة بعد سنوات طويلة من الحرب والعزلة والعقوبات الغربية. فالسلطات السورية تدرك أن التمسك بالمقاطعة لا يزال يحظى بحساسية شعبية ورمزية كبيرة داخل قطاعات واسعة من الرأي العام العربي.

ويأتي المرسوم أيضا في وقت تسعى فيه دمشق إلى إعادة تنظيم بنيتها الاقتصادية والتجارية بعد سنوات من التدهور الحاد الذي أصاب الاقتصاد السوري نتيجة الحرب والعقوبات. فإصدار قانون جمركي جديد يحمل في طياته محاولة لإعادة ضبط حركة التجارة والمعابر والمناطق الحرة، التي تحولت خلال سنوات النزاع إلى واحدة من أبرز نقاط التهريب والتجارة غير النظامية.

كما أن التشديد على البضائع الإسرائيلية يرتبط برغبة السلطات السورية في منع أي اختراق اقتصادي غير مباشر قد يحدث عبر دول أو مناطق وسيطة، خاصة مع تعقد شبكات التجارة الإقليمية وتشابك الأسواق في الشرق الأوسط.

ويرى مراقبون أن القرار يحمل كذلك رسائل سياسية إلى الداخل السوري، مفادها أن الدولة لا تزال متمسكة بثوابتها التقليدية رغم المتغيرات الإقليمية والدولية. فدمشق تحاول الظهور بموقع الدولة التي لم تغير موقفها من إسرائيل، في مقابل التحولات التي شهدتها مواقف بعض الدول العربية خلال السنوات الأخيرة.

لكن في المقابل، يشير البعض إلى أن تأثير المقاطعة الاقتصادية السورية يبقى محدودا من الناحية العملية، نظرا إلى ضعف التبادل التجاري المباشر أصلا بين سوريا وإسرائيل، ونتيجة العزلة الاقتصادية التي تعيشها دمشق منذ سنوات.

ومع ذلك، فإن أهمية القرار تكمن في رمزيته السياسية أكثر من أبعاده الاقتصادية. فهو يعكس استمرار استخدام ملف الصراع مع إسرائيل كجزء من الخطاب السياسي السوري الرسمي، ويؤكد أن دمشق لا تزال ترى في أي تعامل اقتصادي مع إسرائيل مسألة مرتبطة بالأمن القومي والسيادة السياسية، وليس مجرد قضية تجارية يمكن التعامل معها بمنطق المصالح الاقتصادية فقط.

وفي ظل استمرار التوترات الإقليمية، تبدو سوريا حريصة على إعادة تثبيت موقعها ضمن محور الدول الرافضة للتطبيع، عبر خطوات تشريعية تؤكد أن المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل لا تزال جزءا من السياسة الرسمية للدولة، حتى في مرحلة تشهد تغيرات واسعة في خريطة العلاقات والتحالفات داخل الشرق الأوسط.

اضف تعليقك