حرب إيران تخيم على زيارة ترامب للصين وتغير التحالفات

2026/05/14م

(عاد/ لندن) متابعات:

ألقت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران بظلال ثقيلة على زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الصين، في وقت بات فيه هذا الصراع يتجاوز أبعاده العسكرية المباشرة ليعيد تشكيل التوازنات السياسية والاقتصادية في الشرق الأوسط والعلاقات بين القوى الكبرى.

ووصل ترامب إلى بكين وسط تصاعد القلق الدولي من تداعيات الحرب المستمرة منذ أواخر فبراير الماضي، والتي تحولت تدريجياً إلى أزمة عالمية تمس أمن الطاقة وحركة التجارة الدولية والاستقرار الإقليمي.

وبينما تبدو الزيارة في ظاهرها محطة ضمن مسار العلاقات الأميركية الصينية، فإن الملف الإيراني فرض نفسه كأولوية رئيسية على جدول المباحثات بين ترامب والرئيس الصيني شي جينبينغ.

وتسعى واشنطن إلى إقناع بكين بلعب دور أكثر نشاطاً في الضغط على طهران، سواء عبر ملفها النووي أو عبر التحركات الإيرانية في الخليج ومضيق هرمز.

وتدرك الإدارة الأميركية أن الصين تملك أوراق تأثير مهمة على إيران بحكم علاقاتهما الاقتصادية الوثيقة واعتماد بكين على النفط الإيراني، ما يجعل أي دور صيني حاسماً في تحديد مستقبل الأزمة.

لكن المؤشرات السياسية توحي بأن الصين لن تنخرط بسهولة في الاستراتيجية الأميركية تجاه إيران. فبكين تنظر إلى الحرب الحالية من زاوية مختلفة عن واشنطن، إذ تعتبر أن استمرار الاستقرار في الخليج يمثل أولوية اقتصادية بالدرجة الأولى، في حين تخشى من أن يؤدي التصعيد إلى اضطراب طويل الأمد في أسواق الطاقة العالمية.

ولهذا السبب، تبدو الصين حريصة على الحفاظ على توازن دقيق بين علاقاتها مع الولايات المتحدة ومصالحها الاستراتيجية مع إيران. فهي من جهة لا تريد مواجهة مباشرة مع واشنطن في ملفات حساسة تتعلق بالتجارة والأمن الدولي، لكنها من جهة أخرى لا ترغب في خسارة شريك إقليمي مهم يوفر لها احتياجات حيوية من الطاقة ويمثل جزءاً من نفوذها المتنامي في الشرق الأوسط.

وتكشف هذه المعادلة حجم التحول الذي أحدثته الحرب في طبيعة التفاعلات الدولية المرتبطة بالمنطقة. فالصراع لم يعد شأناً إقليمياً محصوراً بين إيران وإسرائيل، بل تحول إلى ملف يؤثر مباشرة على العلاقات بين القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين.

وفي هذا السياق، يبرز مضيق هرمز باعتباره أحد أبرز ساحات الصراع الجيوسياسي الجديدة. فإيران تسعى إلى تعزيز سيطرتها ونفوذها على هذا الممر البحري الحيوي الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية.

واشنطن تدرك أن الصين تملك أوراق تأثير مهمة على إيران بحكم علاقاتهما الاقتصادية الوثيقة واعتماد بكين على النفط الإيراني، ما يجعل أي دور صيني حاسماً في تحديد مستقبل الأزمة.

وقد كشفت تقارير عن اتفاقات أبرمتها طهران مع دول مجاورة لتنظيم عمليات شحن النفط والغاز الطبيعي المسال عبر المنطقة، في خطوة تعكس رغبة إيرانية في ترسيخ حضورها الاستراتيجي في الخليج.

وتعتبر القيادة الإيرانية أن السيطرة الفعلية على المضيق تمنحها ورقة ضغط قوية في مواجهة الولايات المتحدة والغرب، ليس فقط من الناحية العسكرية، بل أيضاً من حيث التأثير الاقتصادي. فطهران تدرك أن أي تهديد لحركة الملاحة في هرمز ينعكس فوراً على أسعار الطاقة والأسواق العالمية، ما يمنحها قدرة إضافية على المناورة السياسية.

وفي المقابل، تنظر واشنطن بقلق متزايد إلى هذه التحركات، خصوصاً أنها ترى في تعزيز النفوذ الإيراني بالممرات البحرية تهديداً مباشراً للتجارة الدولية ولسياسة الردع الأميركية في المنطقة. ولهذا تحاول الإدارة الأميركية حشد دعم دولي، بما في ذلك من الصين، لمنع تحول مضيق هرمز إلى ورقة نفوذ إيرانية طويلة الأمد.

ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه الضغوط على الاقتصاد العالمي بسبب اضطرابات الطاقة الناتجة عن الحرب. فقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من انخفاض كبير في الإمدادات النفطية خلال العام المقبل نتيجة تداعيات الصراع، في مؤشر على أن الحرب بدأت تفرض أثماناً اقتصادية عالمية تتجاوز حدود الشرق الأوسط.

كما أن استمرار عبور ناقلات النفط الصينية عبر مضيق هرمز رغم التوترات الأمنية يعكس حجم اعتماد بكين على استقرار تدفق الطاقة من المنطقة. وهذا ما يفسر حرص الصين على تجنب أي تصعيد قد يؤدي إلى إغلاق المضيق أو تعطيل حركة الملاحة الدولية.

وفي خضم هذه التطورات، لا تزال الفجوة واسعة بين المواقف الأميركية والإيرانية بشأن شروط إنهاء الحرب. فواشنطن تواصل الضغط على طهران للتخلي عن برنامجها النووي وإنهاء تحركاتها العسكرية في الخليج، بينما تصر إيران على رفع العقوبات والحصول على تعويضات عن أضرار الحرب، إضافة إلى وقف العمليات العسكرية على مختلف الجبهات المرتبطة بالصراع.

ورغم حديث مسؤولين أميركيين عن وجود تقدم في المفاوضات، فإن المعطيات الميدانية والسياسية تشير إلى أن الطريق نحو تسوية شاملة لا يزال معقداً. فالجانبان يتمسكان بشروط متعارضة، فيما يظل وقف إطلاق النار الحالي هشاً وقابلاً للانهيار في أي لحظة.

وتعكس هذه الأزمة أيضاً تحولاً أوسع في طبيعة النظام الإقليمي في الشرق الأوسط. فالحرب دفعت عدداً من القوى الدولية إلى إعادة تقييم سياساتها تجاه المنطقة، في ظل تنامي أهمية ملفات الطاقة والممرات البحرية والتحالفات الأمنية.

كما أن الصراع أظهر حدود النفوذ الأميركي التقليدي، إذ باتت واشنطن بحاجة إلى تعاون قوى كبرى مثل الصين لإدارة تداعيات الأزمة، وهو ما يمنح بكين هامشاً أوسع للتأثير في القضايا الإقليمية والدولية.

ومن هنا، تبدو زيارة ترامب إلى الصين محاولة لتوسيع دائرة الضغوط السياسية على إيران، لكنها في الوقت نفسه تعكس إدراكاً أميركياً بأن أي تسوية مستقبلية للحرب لن تكون ممكنة دون تفاهمات دولية أوسع تشمل القوى الكبرى ذات المصالح المباشرة في المنطقة.

وفي ظل استمرار التوترات، يبقى الشرق الأوسط أمام مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع رهانات الطاقة والتنافس الدولي.

وبينما تحاول واشنطن احتواء النفوذ الإيراني، تسعى طهران إلى تحويل الحرب إلى فرصة لتعزيز موقعها الإقليمي، في وقت تراقب فيه الصين المشهد بحذر، مدفوعة برغبتها في حماية مصالحها الاقتصادية وتجنب الانجرار إلى مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة.

اضف تعليقك