مجلس الأمن أمام تحدي ضبط التوتر في الملف السوري

2026/04/23م

(عاد/ بيروت) متابعات:

يعود الملف السوري إلى واجهة النقاش داخل مجلس الأمن الدولي في ظل تصاعد التوترات الميدانية واستمرار الخلافات الإقليمية والدولية حول مستقبل الجنوب السوري، ما يضع المجلس أمام تحدٍ متجدد يتمثل في كيفية ضبط التصعيد ومنع انزلاق الأوضاع نحو مواجهة أوسع.

وتأتي هذه التطورات في وقت حساس تشهد فيه المنطقة إعادة تشكل لموازين القوى بعد سنوات من الصراع، وسط غياب تسوية سياسية شاملة قادرة على تثبيت الاستقرار.

وخلال جلسة عقدها مجلس الأمن، شددت تركيا على ضرورة احتواء التوتر المتصاعد في سوريا، مؤكدة أهمية احترام سيادة البلاد ووحدة أراضيها.

وأعرب المندوب الدائم لتركيا لدى الأمم المتحدة أحمد يلديز عن تقدير بلاده لجهود الحكومة السورية في إبقاء سوريا بعيدة عن دوامة التصعيد الإقليمي، مشيراً إلى أن هذه الجهود ساهمت في الحد من انتقال التوترات الإقليمية إلى الداخل السوري بشكل واسع، رغم هشاشة الوضع الأمني في بعض المناطق.

ويعكس الموقف التركي محاولة لإبراز دور دبلوماسي في إدارة الملف السوري من زاوية الاستقرار الإقليمي، إذ دعا يلديز إلى تنسيق دولي وثيق بين جميع الأطراف المعنية لضمان عدم تفاقم الأزمة.

وأكد أن تحقيق السلام والاستقرار في سوريا والمنطقة يتطلب التزاماً جماعياً وتعاوناً مستمراً، محذراً من أن غياب هذا التنسيق قد يؤدي إلى إعادة إنتاج دوائر العنف.

وفي مداخلته أمام المجلس، دعا المندوب التركي إسرائيل إلى الانسحاب من المناطق التي تحتلها داخل الأراضي السورية، مشدداً على ضرورة الالتزام باتفاق فصل القوات لعام 1974 باعتباره الإطار القانوني الناظم للوضع في الجولان والمنطقة العازلة.

واعتبر أن احترام هذا الاتفاق يمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على الاستقرار في الجنوب السوري، الذي يشكل نقطة تماس حساسة في الصراع الإقليمي.

ويأتي هذا الموقف في ظل تطورات ميدانية شهدها الجنوب السوري بعد ديسمبر 2024، حين أعلنت إسرائيل انهيار اتفاقية فصل القوات الموقعة مع سوريا عام 1974، وقيامها بالسيطرة على المنطقة العازلة.

وقد شكل هذا التطور نقطة تحول في طبيعة التوتر الحدودي بين الجانبين، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العمليات العسكرية والتوترات المتقطعة.

ومنذ ذلك الحين، نفذت إسرائيل سلسلة من الغارات الجوية داخل الأراضي السورية، استهدفت مواقع عسكرية وبنى تحتية، وأسفرت عن سقوط قتلى مدنيين وتدمير معدات عسكرية.

غياب توافق دولي واضح يحد من قدرة المجلس على اتخاذ خطوات حاسمة لاحتواء التصعيد أو فرض آليات تنفيذية فعالة.

وتؤكد تل أبيب أن هذه العمليات تهدف إلى منع تهديدات أمنية محتملة، إلا أن هذه المبررات تواجه انتقادات متزايدة في الأوساط الدولية التي تحذر من تداعيات استمرار هذا النهج على استقرار المنطقة.

وفي هذا السياق، شددت تركيا على أن أي خطوات من شأنها التصعيد في سوريا يجب تجنبها، داعية إلى احترام سيادة الدولة السورية ووحدة أراضيها. كما أكدت أن الحكومة السورية لعبت دوراً مهماً في تجنيب البلاد الانخراط المباشر في التصعيد الإقليمي الأوسع، رغم الضغوط والتحديات التي تواجهها داخلياً وخارجياً.

وتبرز هذه الإشادة بدور دمشق في إطار مقاربة تركية ترى أن الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار في سوريا يخدم الأمن الإقليمي، ويمنع توسع رقعة الصراع.

كما يعكس ذلك إدراكاً متزايداً لدى بعض الأطراف الدولية بأن استمرار الفوضى في سوريا قد تكون له تداعيات تتجاوز حدودها الجغرافية.

غير أن التحديات التي تواجه مجلس الأمن في هذا الملف تبقى معقدة، إذ يصطدم المجلس بتباين مواقف الدول الأعضاء حول كيفية التعامل مع الوضع في سوريا، خاصة في ظل تداخل المصالح الإقليمية والدولية.

كما أن غياب توافق دولي واضح يحد من قدرة المجلس على اتخاذ خطوات حاسمة لاحتواء التصعيد أو فرض آليات تنفيذية فعالة.

ويضاف إلى ذلك استمرار التوترات الميدانية في الجنوب السوري، والتي تجعل من الصعب تثبيت أي تهدئة مستدامة دون معالجة الأسباب الجذرية للصراع. فغياب تسوية سياسية شاملة، إلى جانب استمرار العمليات العسكرية، يبقي الوضع مفتوحاً على احتمالات متعددة، من التهدئة المؤقتة إلى التصعيد المحدود أو الواسع.

وفي ظل هذا المشهد، يجد مجلس الأمن نفسه أمام معادلة دقيقة: فمن جهة، هناك حاجة ملحة لمنع انزلاق الأوضاع إلى مواجهة إقليمية أوسع قد تشمل أطرافاً متعددة، ومن جهة أخرى، هناك صعوبة في فرض آليات تنفيذية فعالة في ظل الانقسام الدولي حول الملف السوري.

وبين الدعوات إلى احترام الاتفاقيات الدولية، والمطالب بالانسحاب من المناطق المحتلة، واستمرار العمليات العسكرية على الأرض، يبقى مستقبل التهدئة في سوريا رهناً بقدرة المجتمع الدولي على تحويل المواقف السياسية إلى إجراءات عملية.

وحتى ذلك الحين، يظل الملف السوري أحد أكثر الملفات تعقيداً على أجندة مجلس الأمن، في ظل تحديات متراكمة تجعل من ضبط التوتر مهمة مفتوحة على احتمالات متعددة دون حلول قريبة في الأفق.

اضف تعليقك