في تحول استراتيجي جديد، أعلن الجيش الإسرائيلي عن تنفيذ سلسلة غارات دقيقة استهدفت نقاط تفتيش ومراكز لوجستية تابعة لقوات الباسيج في قلب العاصمة الإيرانية طهران.
وتعتبر هذه الخطوة مرحلة جديدة في الحرب الإسرائيلية على إيران، حيث لم تعد العمليات الجوية تقتصر على المنشآت النووية أو القواعد العسكرية التقليدية، بل امتدت لتشمل الأجهزة شبه العسكرية التي تمثل العمود الفقري لسيطرة النظام الإيراني داخلياً.
وتشكل قوات الباسيج الذراع شبه العسكرية للحرس الثوري، وهي الجهة المسؤولة عن ضبط الشارع والتدخل السريع لقمع أي احتجاجات شعبية.
ومن خلال استهداف هذه البنية التحتية، تهدف إسرائيل إلى تعطيل قدرة النظام على الرد الفوري على أي تحركات شعبية مفاجئة، وهو ما يفتح الطريق أمام خلق توازن جديد في المشهد الداخلي الإيراني ويضعف أدوات القمع المنهجي للنظام.
وأكد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أن الضربات استندت إلى معلومات استخباراتية دقيقة، مشيراً إلى أن الباسيج كان المحرك الرئيس لعمليات القمع المنهجي خلال الأشهر الأخيرة، والتي أسفرت عن آلاف القتلى بين المتظاهرين السلميين.
وأضاف المتحدث أن الرسالة الموجهة للنظام الإيراني واضحة “أدوات القمع لن تظل بمنأى عن الحساب”، في إشارة إلى أن إسرائيل لم تعد تكتفي بالتهديد التقليدي، بل تتجه إلى التأثير المباشر على قدرات النظام الداخلية.
وتأتي هذه العمليات ضمن حملة جوية أوسع بدأت منذ 28 فبراير الماضي، والتي شهدت في يومها الأول إعلان مقتل الزعيم الأعلى آية الله علي خامنئي، ما أحدث صدمة سياسية كبيرة في إيران وأدخل البلاد في حالة من الغموض والترقب.
ورغم دعوات واشنطن وتل أبيب للشارع الإيراني بالانتفاض، لم تتبلور بعد أي معارضة منظمة قادرة على ملء الفراغ القيادي، مما يعكس تعقيد المشهد السياسي والاجتماعي داخلياً.
ويعكس استهداف الباسيج تحولاً في نهج إسرائيل العسكري من المواجهة التقليدية إلى ما يمكن وصفه بـ”الحرب الداخلية المضاعفة”، التي تعتمد على تقويض أجهزة النظام القادرة على فرض السيطرة في المدن والضواحي.
وبينما كانت الحملة السابقة تركز على الأهداف النووية أو العسكرية، فإن المرحلة الحالية تعيد رسم الأولويات من خلال استهداف أجهزة القمع نفسها، ما يمثل خطوة تكتيكية تعكس اعتماد إسرائيل على معلومات استخباراتية دقيقة وفهم معمق للتركيبة الداخلية للنظام الإيراني.
ويطرح هذا التحول استراتيجياً أسئلة مهمة حول تأثير الحرب على استقرار إيران الداخلي. فمن جهة، قد تؤدي هذه الضربات إلى إضعاف قدرة النظام على التحكم بالشارع وخلق فجوات يمكن للمعارضة أو الاحتجاجات الشعبية استغلالها.
ومن جهة أخرى، فإن النظام الإيراني أظهر على مدار سنوات قدرة كبيرة على الامتصاص وإعادة تنظيم قواته الأمنية، مما يعني أن هذه المرحلة لن تكون حاسمة بسهولة، وأن أي تغييرات ملموسة في السلطة تتطلب استمرار الضغط على مستويات متعددة.
وتشير التطورات إلى أن استهداف الباسيج لا يمثل فقط توجهاً عسكرياً، بل يحمل بعداً نفسياً وسياسياً أيضاً. فالضربات الدقيقة على أجهزة القمع توجه رسالة مزدوجة: للنظام الإيراني بأن إسرائيل قادرة على ضرب أعمدة قوته الداخلية، وللشارع الإيراني بأن القوة الأمنية ليست منيعة على الهزيمة.
وتساهم هذه الرسالة في تقويض الحاجز النفسي الذي يمنع الكثير من المدنيين من المشاركة في الاحتجاجات أو التعبير عن غضبهم.
قوات الباسيج الذراع شبه العسكرية للحرس الثوري، وهي الجهة المسؤولة عن ضبط الشارع والتدخل السريع لقمع أي احتجاجات شعبية.
وإضافة إلى ذلك، فإن هذه المرحلة الجديدة من الحرب الإسرائيلية على إيران لها أبعاد إقليمية ودولية. فالضغط المستمر على أجهزة النظام الداخلية يزيد من تعقيد الحسابات الإقليمية، خصوصاً فيما يتعلق بالتحالفات الإيرانية في الشرق الأوسط، ويعزز دور إسرائيل كفاعل قادر على التأثير المباشر على ديناميات القوة داخل إيران.
كما أن استمرار هذه الاستراتيجية قد يزيد من التوترات بين طهران وواشنطن وحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، ما يرفع من مستوى المخاطر المحتملة على الأمن الإقليمي.
ورغم التقدم التكتيكي لهذه المرحلة، إلا أن الواقع السياسي الإيراني لا يزال معقداً. فحتى الآن، لم تظهر أي مؤشرات ملموسة على تفكك الدوائر العليا في السلطة أو انسحاب المسؤولين من مواقعهم، ما يعكس صلابة النظام وقدرته على الصمود رغم الضربات الموجعة.
ومع ذلك، فإن هذه الضربات تشكل مرحلة مهمة في الصراع، وتعيد ترتيب أولويات الحرب، حيث لم تعد المواجهة مقتصرة على المعارك التقليدية، بل توسعت لتشمل الحرب على أجهزة القمع الداخلية، بما يعكس تحولاً استراتيجياً في طبيعة الصراع.
وفي ضوء هذه التطورات، يبقى السؤال الأساسي: إلى أي مدى ستتمكن إسرائيل من الاستمرار في هذا النوع من الضغط الداخلي دون أن يدفع النظام الإيراني إلى تصعيد شامل؟ وهل ستنجح هذه المرحلة الجديدة في خلق تغيرات ملموسة في المشهد السياسي الداخلي، أم أن النظام سيستجيب بالتشدد وزيادة القمع؟.
ما هو واضح، أن استهداف الباسيج يمثل بداية مرحلة جديدة في الحرب على إيران، مرحلة تقوم على التفكيك الداخلي، الضغط النفسي، واستراتيجية دقيقة لإعادة رسم موازين القوة داخلياً، وهي مرحلة قد تحدد مجرى الصراع في الأشهر القادمة وتعيد رسم أولويات القوى الإقليمية والدولية المتورطة في الأزمة الإيرانية.
























