خط الريان يحصد الأرواح.. إلى متى تستمر سباقات الموت؟

كاتب المقال:

لم يعد خط الريان مجرد طريق يربط بين مناطق ساحل حضرموت، بل أصبح في بعض أوقاته شاهدًا على مشهد مؤلم يتكرر أمام أعين الجميع؛ سباقات عبثية، وسرعات جنونية، واستعراضات بالدراجات النارية والسيارات، تنتهي في كثير من الأحيان بحوادث مأساوية تزهق أرواح شباب في مقتبل العمر، وتترك خلفها أسرًا مكلومة وأمهات وآباءً لا يجدون من يعيد إليهم أبناءهم.

ما يؤلم أكثر أن هذه المآسي لم تعد أحداثًا استثنائية، بل أصبحت ظاهرة تتكرر، فيما لا تزال الحلول الحقيقية القادرة على وضع حد لهذه السباقات غائبة أو محدودة الأثر. ومع كل حادث جديد، تتجدد حالة الغضب والحزن، ثم تهدأ الضجة، ويعود الطريق إلى حاله، وكأن شيئًا لم يحدث، إلى أن يسقط ضحية جديدة.

وهنا يجب أن يكون السؤال صريحًا: إلى متى؟

إلى متى ستظل أرواح شبابنا ثمنًا لسباقات لا معنى لها؟ وإلى متى سيبقى الطريق مفتوحًا أمام من يحولونه إلى حلبة للاستعراض والمغامرة؟ وإلى متى سنكتفي ببيانات التعازي بعد وقوع الكارثة بدل أن نتحرك لمنعها قبل أن تقع؟

إن ما يحدث على خط الريان لا يمكن اختزاله في أخطاء فردية أو تهور بعض الشباب فقط، رغم أن المسؤولية الشخصية لا يمكن إسقاطها؛فحين تتكرر الظاهرة في المكان نفسه، وبالطريقة نفسها، وتنتج عنها حوادث وضحايا، فإن الأمر يتحول إلى مشكلة عامة تحتاج إلى معالجة مستمرة ومنظمة.

الطريق العام ليس مضمارًا للسباق، والسيارة أو الدراجة ليست وسيلة لإثبات الشجاعة؛ فالشاب الذي يضغط على دواسة الوقود إلى أقصى حد، أو يدخل في سباق مع أصدقائه، قد يعتقد أنه يعيش لحظة من المتعة والإثارة، لكنه لا يدرك أن تلك اللحظة قد تكون آخر لحظات حياته، وأن ثواني قليلة من التهور قد تترك وراءها عمرًا كاملًا من الحزن.

والأكثر إيلامًا أن بعض هؤلاء الشباب لا يدركون حجم الألم الذي يمكن أن يتركوه خلفهم. فهناك أم تنتظر عودة ابنها، وأب يراه مشروع عمره وسنده في الحياة، وإخوة وأصدقاء يرسمون معه أحلام المستقبل؛ كل ذلك يمكن أن ينتهي في لحظة بسبب سباق عبثي لا يستحق حتى دقيقة واحدة من المخاطرة.

من هنا، فإن المسؤولية لا تقع على الشباب وحدهم، ولا على المرور والأجهزة الأمنية وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة، وتمر بالمدرسة والمجتمع، وتنتهي عند الجهات المختصة التي تمتلك أدوات الردع والتنظيم.

أيها الآباء والأمهات، حافظوا على فلذات أكبادكم. لا تنتظروا وقوع المصيبة حتى تبدأوا بالسؤال عن أماكن ذهاب أبنائكم ورفاقهم وطريقة قيادتهم؛ تحدثوا معهم، اقتربوا منهم، راقبوا استخدامهم للسيارات والدراجات النارية، وكونوا حاضرين في تفاصيل حياتهم؛ فالمتابعة ليست تضييقًا على الأبناء، وإنما حماية لهم من قرار متهور قد لا يمنحهم فرصة ثانية.

وعندما يمنح الأب ابنه مفتاح الدراجة النارية، عليه أن يدرك أنه لا يمنحه وسيلة تنقل فحسب، بل يمنحه مسؤولية قد تتعلق بحياته وحياة الآخرين؛ لذلك يجب ألا تكون الثقة عمياء، وألا تتحول رغبة الأبناء في الاستقلال إلى باب مفتوح أمام السرعة والاستعراض والمخاطرة.

وفي المقابل، فإن الجهات المختصة مطالبة اليوم بأن تنتقل من رد الفعل إلى الفعل الوقائي؛ فالمطلوب ليس أن تصل الدوريات بعد وقوع الحادث، ولا أن تتحرك الحملات بعد سقوط الضحايا، وإنما أن تكون هناك خطة واضحة ومستدامة لإنهاء السباقات من جذورها.

ويبدأ ذلك بتكثيف الدوريات والنقاط المرورية على خط الريان، ومراقبة المواقع التي تتجمع فيها المركبات والدراجات، ورصد التحركات التي تسبق السباقات، والتعامل معها قبل انطلاقها، إلى جانب تطبيق الإجراءات القانونية بحق المخالفين وحجز المركبات المستخدمة في السباقات والاستعراضات الخطرة وفقًا للقانون.

كما أن تركيب وسائل مراقبة حديثة في المواقع التي تتكرر فيها المخالفات والحوادث يمكن أن يسهم في ضبط الطريق وردع المخالفين، لكن الأهم من كل ذلك هو أن يشعر الجميع بأن هناك رقابة مستمرة وقانونًا يطبق على الجميع دون استثناء.

خط الريان لا يحتاج إلى مزيد من بيانات النعي، بل يحتاج إلى قرار حقيقي يوقف سباقات الموت؛

نحتاج إلى حلول مستمرة، ورقابة فعالة، وتطبيق للقانون، وتعاون من الأسر، ووعي من الشباب، وموقف مجتمعي واضح يرفض تحويل الطرق العامة إلى ساحات للسباق والاستعراض.

إقرأ أيضاً للكاتب:

اضف تعليقك

كاتب المقال: