لم تعد أزمة الكهرباء وحرب الخدمات في حضرموت مجرد مشكلة خدمية عابرة يمكن تبريرها بالأعذار المعتادة أو ترحيلها من صيف إلى آخر، بل تحولت إلى معاناة يومية خانقة تضرب حياة الناس في كل بيت، وتثقل كاهل المرضى والأطفال وكبار السن، وتدفع بالمجتمع نحو حالة من الاحتقان والغضب المتصاعد.
ففي الوقت الذي ترتفع فيه درجات الحرارة والرطوبة في اربعينبة جهنم ، إلى مستويات لا تُحتمل، يعيش المواطن الحضرمي تحت وطأة انقطاعات متكررة وطويلة للتيار الكهربائي، ويسقط الأطفال والعجزة ضحية لها ، ويفترش الناس الشوارع، وسط عجز واضح ولامبالاة من الجهات المسؤولة عن تقديم حلول حقيقية وجذرية تنهي هذه المأساة التي استمرت سنوات طويلة.
إن المسؤولية الأولى عن هذا الوضع تقع على عاتق السلطة المحلية بمحافظة حضرموت، وعلى الجهات التنفيذية المختصة بقطاع الكهرباء في الساحل والوادي، وكل من أوكلت إليه مسؤولية إدارة هذا الملف الحيوي. وعلى القيادات المركزية الفاسدة في مجلسي الرئاسة والوزراء ، فالفترات الماضية كانت كافية لوضع معالجات استراتيجية ومستدامة، لو توفرت الإرادة الجادة والرغبة الصادقة في خدمة المواطن.
لقد سمع الناس عشرات الوعود من الرئاسة والحكومات المتعاقبة، ومن رؤساء ووزراء ومحافظين ومسؤولين، وتابعوا الإعلان عن اتفاقيات ومشاريع وعقود قيل إنها ستنهي أزمة الكهرباء، لكن الواقع بقي كما هو، بل ازداد سوءاً عاماً بعد آخر، حتى فقد المواطن ثقته في معظم تلك الوعود التي لم ينعكس أثرها على حياته اليومية. وبلغت هذه المأساة ذروتها هذه الايام من حرب الخدمات وارتفاع اسعار المشتقات والمواد الغذائية وتدهور العملة وانتشار الجوع ، ارضاء فقط لكروش الفاسدبن ولإمتلاء حساباتهم البنكية .
وما يزيد من مرارة المشهد أن حضرموت ليست محافظة فقيرة أو معدمة الموارد، بل هي من أغنى المحافظات المحررة بما تمتلكه من ثروات نفطية ومقومات اقتصادية كبيرة. ولذلك يتساءل المواطن بحق: كيف تعجز محافظة بهذا الحجم من الموارد عن توفير الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء وضمان خدمة مستقرة لأبنائها ولثبات اسعار المشتقات والمواد الغذائية؟
إن استمرار التذرع بأزمة المحروقات أو نقص التمويل لم يعد مقنعاً أمام حجم الثروات التي تنتجها حضرموت، ولا أمام حجم المعاناة التي يعيشها أبناؤها. فالمواطن يرى أن حقوق المحافظة تُستنزف، وتنهب نهارا جهارا ، بينما تتراجع الخدمات الأساسية وغذاء الناس بصورة غير مسبوقة.
ومع تزايد الضغوط المعيشية وارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات، فإن مؤشرات الغضب الشعبي تتصاعد بشكل واضح. وتتفجر شوارع المكلا والشحر وتريم وبقية المدن الحضرمية حمما بركانية لوقف هذا التدهور ولانتزاع الحقوق والخدمات واسقاط هذه الحكومة والرئاسة الفاسدة . وما يطالب به أبناء حضرموت ليس امتيازات خاصة ولا مطالب تعجيزية، بل حقوق مشروعة تتمثل في توفير الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية وووقف الفساد المتغول في الدولة وتوفير الحد الادنى من الحياة الكريمة.
إن تجاهل هذه المطالب والاستمرار في سياسة التسويف والترقيع لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة والاحتقان وزيادة التصعيد الجماهيري وعلى النخب الحضرمية الصادقة والواعية قيادة هذا التصعيد وترشيده لتحقيق كامل اهداف ومطالب الجماهير دون تسيسه . والتحديد الدقيق للمطالب وبرنامج التصعيد . وعلى القيادات الرسمية والسياسية والقبلية والمدنية تاييد مطالب الجماهير وانتزاعها من المركز الفاسد . فالمسؤول الحقيقي هو من يستشعر معاناة الناس ويتحرك لمعالجتها، لا من يكتفي بإطلاق الوعود وتبرير الإخفاقات او الوقوف متفرجا.
حضرموت اليوم بحاجة إلى حلول جادة ومستدامة، وإلى إدارة تضع مصلحة المواطن فوق أي حسابات أخرى، لأن استمرار هذا الوضع لم يعد يُحتمل، ولأن صبر الناس له حدود.
ويبقى السؤال الذي يتردد على ألسنة الحضارم جميعاً: هل من مسؤول يسمع صوت المواطنين ويشعر بحجم ما يكابدونه من معاناة يومية؟
حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وان الله على نصرنا لقدير .



















