◼️ لا يُطرح سؤالٌ عن مآلات الاستقرار في منطقة الخليج -بشقيه العربي والفارسي- فضلًا عن الشرق الأوسط، في مراكز الدراسات والأبحاث العلنية أو السرية -وهي الأهم- إلا وينتهي عند «علاقات الرياض – طهران» وتأثيرها في تشكيل أوضاع المنطقة، بل وتأثيرهما في إدارة حكوماتهما، وقدرة أي منهما على تحريك موازينها القومية والمذهبية.
هذا أمر طبيعي وحقيقةٌ غالبًا ما يتجنبها مفكرو وسياسيو الخليج؛ لأسباب ثقافية أو ربما تفرضها «كبرياء وطنية» مفهومة ومقدرة، أو يمكن فهمها في إطار ترسيخ السيادة ومداميك الوطنية، في ظل الجغرافيا والتاريخ السعودي والإيراني، ودورهما منذ أواخر خمسينيات القرن المنصرم في تشكيل دول إمارات الخليج العربية قبيل انسحاب بريطانيا بين عامي 1971 و1972م.
◻️◼️◻️◼️
أنا هنا لا أريد أن أنكأ جراح البعض، ولا أثير حفيظة ذاك «المعارض البحريني» في لندن أو غيره، وهو يتحدث عن صواريخ إيران فوق الرياض – غامزًا من زاوية الأمريكان ودورهم- مساء السادس من أبريل 2026م، متجاهلاً ما فعلته «رياض الملك فيصل» مع شاه إيران والمستر «جيمس كالاهان» حتى تستقل بلاده التي يعارضها هو اليوم؛ في الوقت الذي دافعت عنها السعودية منذ ذلك الزمن وحتى اللحظة، وهي تقود المنطقة والشرق الأوسط.
نعم، ما كنت لأكتب لولا ذلك المعارض الخليجي، الذي انتقل من حركة القوميين العرب إلى «فارسية» ربما انقطع تمويلها له، ولكل من اتخذوا من لندن منصات فضائية ومعارضة للإيجار.
◼️◻️◼️◻️
إن الحديث عن العلاقات السعودية – الإيرانية يطول؛ فهما دولتان محوريتان إقليميًا في منطقة يهم العالم استقرارها كما يزعجه اضطرابها. وتوتر العلاقات بين الدولتين ليس وليد قدوم «آية الله الخميني» على متن طائرة (إير فرانس) من باريس إلى طهران، بل هو أقدم من ذلك؛ وتحديدًا عندما تطلع الشاه «محمد رضا بهلوي» إلى دور «رجل الخليج» وقائد الإسلام «الشيعي – العلماني».
منذ ذلك الزمن والصراع السعودي – الفارسي موجود، وتوتراتُه بين مد وجزر، خصوصًا في مرحلة التحضير لاستقلال «مشيخات الخليج المتصالح» والبحرين، فضلًا عن دول شرق المتوسط.. ولكن تلك المرحلة لم تتجاوز الخلافات فيها حدود تبادل الرسائل.. والكل يذكر تصريحات الملك فهد بن عبدالعزيز -رحمه الله- حين كان وليًا للعهد تجاه الثورة في إيران، والتي أكد فيها أنها «شأن إيراني داخلي»، رغم ما تتيحه قوميات إيران من فرص للتدخل قد تؤذي وحدة أراضيها، ولكن «إيران ولاية الفقيه» لم تقدر ذلك.
توالت الأحداث المؤسفة، بدءًا من أحداث مكة في حج 1987م وما تلاها من وقائع تجاوزت الكثير من قواعد العلاقات الدولية والدبلوماسية، وما تفرضه الجغرافيا والتاريخ في تقلباتهما. كل تلك الأحداث لم تمنع الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء، من الدخول في حوارات تطورت إلى مناقشات قاد الجانب السعودي فيها الدكتور مساعد العيبان مستشار الأمن القومي، ومن الجانب الإيراني «علي شمخاني» الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي آنذاك.
تضمنت الاتفاقية، إلى جانب استئناف العلاقات الدبلوماسية : احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتفعيل الاتفاقيات الأمنية والاقتصادية.. ووقعت الاتفاقية برعاية صينية في بكين في مارس 2023م، وأعقبتها مجموعة من اللقاءات رفيعة المستوى في الرياض وطهران.. ومع ذلك، لم تمتنع إيران عن التدخل في العراق ولبنان واليمن وسوريا، وهي دول عربية تقع في المجال الحيوي السعودي والإيراني معًا بحكم الجغرافيا.. ورغم ذلك، واصلت السعودية بصبر تفعيل ما تم الاتفاق عليه، متجاوزة تاريخًا من العلاقات المتأرجحة منذ عام 1929م، وخصوصًا مطلع السبعينيات حين عملت السعودية على عروبة دول الخليج وحالت دون الاستيلاء على البحرين.
◻️◼️◻️◼️
إن السعودية التي تدرك الأخطار المحدقة بالمنطقة، وهشاشة الأوضاع التي تسببت فيها إيران -ومنها أوضاع إيران نفسها الإثنية والطائفية- وخطورة استغلال ذلك في تقسيم الدول وصراع المجتمعات، واصلت اللقاءات على أعلى المستويات للدفع بإيران نحو الالتزام بالاتفاقية.
إنه «التاريخ» الذي يفترض ألا يتصادم مع «الجغرافيا»، وهو ذاته الذي أنسى الفرس الدور السعودي وما يمكن أن تضطلع به الرياض في أزمات طهران وحربها مع أمريكا، التي توقفت بهدنة لمدة أسبوعين يوم الأربعاء 8 أبريل 2026م، بعد أن شملت الصواريخ والمسيرات الإيرانية-السعودية.
والسؤال هنا : هل تغادر إيران «التاريخ» نحو «الجغرافيا»؟ ففي التاريخ ما يمكن أن يعزز الجغرافيا لدولتين محوريتين في إقليم ملتهب، يتطلب استقراره استثمار التاريخ والجغرافيا إيجابيًا.. ويخطئ من يعتقد أنه سيغير «الجغرافيا» باستجرار «التاريخ»، بينما الأجدى هو تغيير مسارات التاريخ ذاته.



















