لم يكن يوم الثالث من يناير يوماً عادياً في تاريخ حضرموت، بل كان لحظة فاصلة أعادت رسم ملامح الإرادة الحضرمية، حين وقف أبناؤها صفاً واحداً، بسواعد درع الوطن وقوات حماية حضرموت وحلف القبائل، وبإسناد صادق من الأشقاء في المملكة، ليُدحر مشروع الهيمنة بالقوة، ويُسقط وهم السيطرة العسكرية للانتقالي.
لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح:
النصر العسكري إن لم يُترجم إلى حضور وتعاطف جماهيري راسخ، فإنه يبقى نصف نصر فقط.
الفراغ الذي صنع الأزمة الحالية :
منذ تلك اللحظة التاريخية، تعالت أصواتنا المطالبة بتثبيت هذا الإنجاز في وجدان الناس، عبر خلق حاضنة شعبية له و فعاليات جماهيرية مستمرة، تُرسّخ المعنى وتُحبط أي محاولة للالتفاف عليه.
لكن – وللأسف – لم تتحرك السلطة المحلية ولا المكونات الحضرمية المستقلة بالقدر المطلوب، فتركوا فراغاً خطيراً في الشارع.
هذا الفراغ لم يبقَ طويلاً…
ففي السياسة، كما في الطبيعة: لا يوجد فراغ… بل سيكون هناك من يملؤه.
فكيف عاد الخصم المهزوم إلى الواجهة؟
استغل الانتقالي هذا الغياب بذكاء تكتيكي، فبدأ بحشد أنصاره بشكل منتظم، فعالية تلو الأخرى، أسبوعاً بعد أسبوع، متنقلاً بين المكلا وسيئون، حتى أعاد بناء صورته كقوة مسيطرة في الشارع.
ومع غياب أي منافس جماهيري حقيقي، ترسخ لديهم شعور خطير:
أن الشارع لهم… وأن الدولة غائبة.
وهنا بدأ الغرور السياسي يتضخم…
حتى وصل إلى لحظة الانفجار.
من الغرور إلى الفوضى :
حين يشعر أي فصيل أنه يملك الشارع بلا منازع، فإنه ينتقل من العمل السياسي إلى فرض الإرادة بالقوة.
وهذا ما حدث…
الهجوم على فعالية الوفاء يوم ١ أبريل ، لم يكن حادثاً عابراً، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من:
●الهيمنة
●غياب الرد
●واحتكار الفضاء الجماهيري
فحين تُترك الساحة لطرف واحد، فإنه لن يكتفي بها… بل سيتحول إلى قمع غيره. كما حصل طيلة سنوات هيمنته العشرية .
لماذا يمتلكون هذا الزخم؟
السؤال الأهم ليس: ماذا فعلوا؟
بل: كيف وصلوا إلى هذه القوة الجماهيرية؟
الجواب واضح:
●قرابة 10 سنوات من السيطرة على مفاصل الأمن
●النفوذ داخل قيادات النخبة الحضرمية وازاحة الشرفاء
● الهيمنة العسكرية والأمنية المطلقة على ساحل حضرموت من خلال لواء بارشيد الجنوبي والدعم الأمني .
●والهبمنة المطلقة على اللجان المجتمعية
●هيمنة إعلامية منظمة
●إقصاء ممنهج لأي صوت مخالف
●استخدام المال السياسي والدعاية المكثفة
●خلق بيئة من التخويف والترهيب من اي معارضة والتنكيل والملاحقة لها بدعم مطلق من الكفيل الرابض بكل جبروته في عدن والريان والربوة
هذه ليست لحظة… بل تراكم طويل.
ولهذا، فإن محاولة قلب المعادلة فجأة هي وهم كبير.
فالمعادلات السياسية لاتقلب بين ليلة وضحاها.
ومن يعتقد أن بإمكانه إنهاء هذا النفوذ بضربة واحدة، أو بخطاب عاطفي، أو برفع علم هنا أو هناك… فهو يكرر نفس الأخطاء.
المعركة اليوم ليست أمنية او عسكرية… بل:
●معركة وعي
●معركة حضور
●معركة نفس طويل
والطريق الصحيح: هو بناء بديل حضرمي حقيقي مستقل
فإذا كان الهدف فعلاً هو كسر الهيمنة، فالحل ليس في استبدال طرف بطرف، ولا في فرض شعارات مرفوضة شعبياً.
بل في بناء مشروع حضرمي مستقل حقيقي، يبدأ من:
1. الإعلام أولاً
ايجاد إعلام حضرمي مستقل، نابع من الأرض، يعبر عن الناس، لا عن أجندات خارجية.
لا دعاية يمنية تُقصي الجنوبي، ولا خطاب انتقالي يُقصي الحضرمي المستقل…
بل صوت حضرموت المستقل فقط.
2. الحضور الجماهيري المستمر
ليس بفعاليات موسمية كل ثلاثة أشهر…
بل بعمل جماهيري متواصل، منظم، ذكي، يصل لكل حي وحارة وقرية.
3. تفكيك مصادر القوة
بهدوء وبشكل تدريجي:
●تقليص النفوذ داخل المؤسسات تلحكومية وخاصة الاعلامية والأمنية والمجتمعية.
●ضبط المال السياسي
●كسر الاحتكار الإعلامي
● المحاسبة القضائية الصارمة للقيادات التي تدعو وتحرض ضد الدولة وتشعل الفتنة والفوضى والاحتراب المجتمعي وفرض الراي بالقوة .
4. حماية المجتمع من الخوف والهيمنة الأحادية بالقوة :
●إعادة الثقة للناس بأن التعبير لا يعني الانتقام، وأن الدولة حاضرة وليست غائبة.
الخطأ القاتل: استبدال راية براية
فمحاولة استبدال العلم الجنوبي باليمني كحل سياسي هي قراءة خاطئة للواقع.
لأن:
الانتقالي سيرفض
والمستقل الحضرمي سيرفض أيضاً
والنتيجة؟
خسارة الجميع… دون تحقيق أي هدف.
والخلاصة
فإن حضرموت انتصرت عسكرياً… نعم.
لكن تثبيت هذا النصر يتطلب معركة أطول وأعمق.
معركة:
●وعي لا ضجيج
●بناء لا رد فعل
●مشروع تنمية وخدمات لا شعارات او قبضة أمنية فقط .
ومن لا يفهم طبيعة هذه المرحلة، سيكرر نفس الخطأ:
يترك الشارع… ثم يتساءل لماذا خسره.
وحضرموت اليوم لا تحتاج صراخاً…
بل تحتاج عملاً منظماً، صبوراً، ذكياً…
فالنصر الحقيقي ليس أن تهزم خصمك في يوم لان هذا مستحيل…
بل أن تمنعه من العودة لممارسة ارهابه الفكري والمجتمعي واستمرار هيمنته، وتجفيف منابع ماله السياسي وتقليم أظافر قياداته السياسية وتفتيت قاعدته الجماهيرية .




















