الحوثي في لحظة الاختبار

في خضم هذه الحرب المتصاعدة في المنطقة والتي باتت تقترب أكثر من أي وقت مضى من أن تتحول إلى شرارة لصراع دولي واسع تبرز الحاجة إلى صوت العقل والحكمة فالأوطان لا تبنى بالحروب والشعوب لا تزدهر تحت أزيز الصواريخ بل تحت مظلة الاستقرار والسلام

اليوم يقف اليمن عند مفترق طرق تاريخي بلد أنهكته سنوات طويلة من الحرب والانقسام وتعرض لدمار واسع في بنيته التحتية ومؤسساته وخدماته الأساسية إن الشعب اليمني الذي عانى بما فيه الكفاية يحتاج اليوم إلى إعادة فتح المدارس وإحياء المستشفيات وإعادة بناء ما تهدم من حياة الناس قبل المباني

ولهذا فإن الرسالة الموجهة إلى عبدالملك الحوثي في هذه اللحظة الحساسة واضحة

إن مصلحة اليمن ليست في الانخراط في حرب إقليمية جديدة ولا في توسيع رقعة الصراع بل في مد اليد للسلام وإنهاء سنوات النزيف التي أثقلت كاهل هذا البلد

وعلى الحوثي أن يعتبر من الأحداث المتسارعة في المنطقة وأن يدرك أن الوضع اليوم ليس كالأمس فموازين القوى تتغير والظروف السياسية والعسكرية لم تعد كما كانت في بدايات الصراع إن أي ظهور في موقف تصعيدي جديد لن يكون إلا نوعاً من التهور السياسي الذي لن يخدم اليمن بل قد يدفعه إلى أذى أكبر مما لحق به خلال السنوات الماضية

إن الحكمة اليوم تقتضي حسن التفكير وحسن التعامل مع هذه المرحلة الدقيقة فهذه لحظة قد تكون فرصة حقيقية للاستجابة لدعوات الأشقاء في المملكة العربية السعودية الذين يبذلون جهوداً مستمرة من أجل إحلال السلام وإنهاء الحرب في اليمن

كما أن هذه اللحظة قد تمثل فرصة تاريخية للتيار الاستقلالي الرافض لنفوذ ايران داخل جماعة الحوثي كي يتحرر من حالة الارتهان والتبعية وأن يستعيد قراره الوطني المستقل بعيداً عن التأثيرات الخارجية وأن يعيد توجيه بوصلته نحو مصالح شعبه أولًا فاليمن لا يمكن أن يكون ساحة لصراعات الآخرين بل يجب أن يكون وطناً مستقلاً بقراره وإرادته

إن الطريق الواقعي لإنقاذ اليمن يبدأ بالانخراط الجاد في جهود السلام والالتحام بالمبادرات الإقليمية والدولية الرامية إلى إنهاء الصراع بما في ذلك خطوات واضحة نحو تسليم السلاح للدولة وإنهاء حالة الانقلاب والعودة إلى مسار الدولة والمؤسسات

فاليمن اليوم يفتقر إلى الكثير من مقومات الصمود في أي حرب جديدة وهو ما يجعل الحكمة السياسية تقتضي البحث عن مخارج للتهدئة لا عن أبواب جديدة للتصعيد فالسلام ليس ضعفاً بل هو في كثير من الأحيان أقوى القرارات التي يمكن أن يتخذها القادة عندما يضعون مصلحة شعوبهم فوق كل اعتبار

ومن هذا المنطلق فإن الطريق الأقرب إلى استقرار اليمن يمر عبر تعزيز العلاقة مع محيطه الطبيعي في المملكة العربية السعودية وبقية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية فالجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة تجعل من هذا التقارب خياراً منطقياً يخدم الشعب اليمني قبل أي طرف آخر

وفي الوقت الذي تتعرض فيه بعض الدول الخليجية لاستهداف مباشر للأعيان المدنية ضمن صراع إقليمي مع إيران ما زالت هذه الدول تبدي قدراً كبيراً من ضبط النفس وترفض الانجرار إلى حرب شاملة حفاظًا على استقرار المنطقة وعلى روابط الإسلام والجوار وحرصاً على شعوب المنطقة جميعاً بما في ذلك الشعب الإيراني

إن اليمن لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الجبهات بل إلى مزيد من الجسور ولا يحتاج إلى لغة التهديد بل إلى لغة التفاهم

إن دعم أي حليف لا يكون دائماً عبر فتح جبهات القتال بل قد يكون عبر فتح أبواب السياسة والدبلوماسية واليوم تمتلك المملكة العربية السعودية من الأدوات السياسية والدبلوماسية ما يمكن أن يسهم في وقف الحرب وفتح مسارات للحوار قد تنقذ المنطقة من الانزلاق نحو مواجهة أوسع

إن التاريخ يثبت دائماً أن الحروب تبدأ بقرار لكنها لا تنتهي إلا بحكمة وهذه الحكمة هي ما تحتاجه المنطقة اليوم

ولعل كلمات الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود ما زالت تحمل رسالة خالدة حين قال في قمة بيروت:

“إن السلام ينبع من القلوب والعقول لا من فوهات المدافع ونيران الصواريخ”

ولهذا فإن الرسالة الصادقة اليوم هي دعوة إلى أن تكون الأيدي ممدودة للسلام … لا للزناد

إقرأ أيضاً للكاتب:

اضف تعليقك