ليست القضية الجنوبية قضية أشخاص، ولا مشروع مكونات بعينها، ولا ملكًا سياسيًا لطرف دون آخر.
إنها قضية عادلة في جوهرها، متجددة في مسارها، ومفتوحة على المستقبل، لأنها تنبع من معاناة حقيقية، وتطلعات مشروعة، وحقوق لم تجد طريقها إلى الإنصاف بعد.
الخطأ الأكبر الذي ارتُكب بحق هذه القضية هو محاولة اختزالها في أسماء، أو تحويلها إلى أداة صراع، أو استخدامها كورقة ضغط في مشاريع لا علاقة لها بجوهرها.
فالقضايا العادلة لا تُختصر، ولا تُختطف، ولا تُدار بمنطق الغلبة، بل تُصان بالتوافق، وتنتصر بالحكمة، وتستمر بالشراكة.
منذ بداية الأزمة اليمنية، لعبت المملكة العربية السعودية دورًا محوريًا في توفير غطاء سياسي إقليمي ودولي لمعالجة جذور الأزمة، وكان للقضية الجنوبية نصيب واضح من هذا الاهتمام ،فقد شكّلت المبادرة الخليجية وآلياتها التنفيذية أول إطار جامع، ثم جاء مؤتمر الحوار الوطني، ثم المشاورات اليمنية، وصولًا إلى اتفاق الرياض، الذي أقر مبدأ الشراكة السياسية عبر حكومة مناصفة، وإشراك مختلف المكونات، بما فيها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل ، ومؤتمر حضرموت الجامع، وقوى أخرى.
ثم جاء اتفاق نقل السلطة وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي ليعكس هذا التوازن، بتمثيل متساوٍ بين الشمال والجنوب، في خطوة هدفت إلى إنهاء الاحتكار السياسي وفتح المجال أمام إدارة جماعية للمرحلة الانتقالية.
غير أن هذا المسار التوافقي لم يُكتب له الاستقرار الكامل، بعدما اختارت بعض الأطراف الانقلاب على كل تلك التفاهمات، ومحاولة فرض واقع جديد بالقوة، متجاوزة روح الشراكة، ومنتهكة جوهر الاتفاقات، كما حدث في تحركاتها تجاه حضرموت والمهرة، في سلوك لا يخدم القضية الجنوبية، بل يضر بها ويُفقدها تعاطف الداخل والخارج، وهنا أقصد تصرفات عيدروس الزبيدي وفرج البحسني واستخدامهما الانتقالي وعضويتهم بمجلس القيادة الرئاسي في حينها.
اليوم، تعود المملكة العربية السعودية لتؤكد مرة أخرى أنها ليست راعية أشخاص، بل راعية استقرار، وليست منحازة لفصيل، بل لمنطق الدولة. فجاء دعمها لدعوة رئيس مجلس القيادة الرئاسي، فخامة الدكتور رشاد محمد العليمي، لإطلاق حوار جنوبي–جنوبي، استجابة لنداءات شخصيات جنوبية ومكونات سياسية واجتماعية، في رسالة واضحة مفادها: إن الحل لا يُفرض من فوهة البندقية، بل يُصاغ على طاولة الحوار.
ولم يكن هذا التحرك السعودي معزولًا، بل حظي بترحيب دولي واسع من الأمم المتحدة، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وغيرهم، لأن الجميع يدرك أن استقرار اليمن، واستقرار الجنوب تحديدًا، هو جزء لا يتجزأ من أمن المنطقة.
فاليمن ليس ساحة هامشية، بل عمق استراتيجي مباشر لأمن المملكة العربية السعودية، وأي فوضى فيه ستتجاوز حدوده.
ومن هنا، فإن المرحلة الراهنة تفرض على القوى الجنوبية أن تعيد تعريف بوصلتها. فالقضية الجنوبية يجب ألا تتحول إلى أداة في مشاريع تهدد الأمن القومي العربي، ولا إلى واجهة لصراعات إقليمية، ولا إلى منصة لتصفية حسابات دولية.
إن المشروع العربي، الذي تقوده المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية، يقوم على حماية الدول من التفكك، وعلى صون الاستقرار، ومنع تحويل المنطقة إلى جزر متصارعة.
وأي مسار يُخرج القضية الجنوبية من هذا الإطار، هو مسار يُفرغها من عدالتها بدل أن ينصرها.
القضية الجنوبية لا تحتاج إلى ضجيج، بل إلى رؤية. ولا تحتاج إلى استعراض قوة، بل إلى توافق. ولا تحتاج إلى احتكار، بل إلى شراكة.
فالقضية العادلة لا تُختصر في فصيل… ولا تُدار بعقلية الغلبة… ولا تنتصر إلا عندما تعود إلى أصحابها جميعًا.




















