على مدى أكثر من نصف قرن، تحملت حضرموت كلفة باهظة لسياسات الإقصاء والتهميش والنهب المنظم منذ إلحاقها القسري بدولة الجنوب عام 1967م، ثم بالوحدة اليمنية عام 1990م. طوال هذه العقود لم يُتح لها أن تدير شؤونها أو تستفيد من مواردها، بل فُرض عليها حكم مركزي صادر القرار، وحوّلها من أرض غنية بالثروات والطاقات البشرية إلى ساحة مفتوحة للاستنزاف، بينما بقي أبناؤها مهمشين خارج مؤسسات الدولة ومحرومين من أبسط الخدمات.
مرّت حضرموت بمراحل متعاقبة من الظلم. ففي الحقبة الشمولية ما بعد الاستقلال، واجهت سياسات قمعية شملت المجازر والاختطافات والتهجير، وصودرت الحقوق وغُيّب أبناء حضرموت عن مراكز القرار. ثم جاءت الوحدة لتكرّس شكلًا آخر من التسلط، حيث سيطر العسكر والعائلات النافذة على الثروة والسلطة معًا، فنهبت الموارد النفطية والغازية والمعدنية، وحُولت عائداتها إلى مراكز النفوذ في صنعاء وعدن، فيما ظل المواطن الحضرمي يواجه العوز في الكهرباء والصحة والتعليم، وتحوّلت الخدمات والوظائف إلى أدوات ابتزاز سياسي.
لقد أثبتت التجارب المتعاقبة أن الحكم المركزي – سواء من عدن أو صنعاء – لم يبنِ دولة عادلة، بل أنتج الفساد والصراع والإقصاء، وكانت حضرموت الخاسر الأكبر. ومن هنا يصبح الإنصاف الحقيقي ممكنًا فقط عبر العدالة الانتقالية، باعتبارها الإطار الذي يعالج جراح الماضي ويمنع تكراره. فالعدالة الانتقالية هي مجموعة متكاملة من الآليات القضائية وغير القضائية التي تهدف إلى معالجة إرث انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة وتعزيز المصالحة ومنع تكرارها في المجتمعات التي تمر بمرحلة انتقالية بعد صراع أو اضطهاد. وتتضمن هذه الآليات الملاحقات القضائية لضمان المساءلة، ولجان الحقيقة لتقصي الحقائق، وبرامج جبر الضرر للضحايا، وإصلاحات مؤسسية تمنع تكرار الانتهاكات، بالإضافة إلى تخليد الذكرى والجهود الثقافية التي تركز على بناء ثقافة حقوق الإنسان واحترام سيادة القانون.
وإذا كانت العدالة الانتقالية تسعى إلى إنصاف الضحايا وضمان عدم تكرار الماضي، فإنها في حضرموت لن تكتمل إلا من خلال تمكين أبنائها من حكم أنفسهم. فالحكم الذاتي هو الضمانة العملية لترجمة مبادئ العدالة الانتقالية إلى واقع ملموس. عبره يتمكن أبناء حضرموت من إدارة ثرواتهم النفطية والغازية والموانئ والمعادن، وتوظيفها في تنمية مجتمعهم، وبناء مؤسسات عادلة وشفافة، وصياغة مستقبل يقطع مع ماضي التهميش والنهب.
الحكم الذاتي ليس انفصالًا ولا تهديدًا للوحدة الوطنية، بل هو حق مشروع وحل وطني، يمثل وسيلة لإنصاف حضرموت، ونموذجًا يمكن أن يسهم في بناء وطن جديد يقوم على الفيدرالية العادلة والشراكة الحقيقية. فمن أراد استقرارًا طويل الأمد، عليه أن يبدأ من حضرموت، حيث العدالة المؤجلة تنتظر أن تتحقق بحكم ذاتي يضمن مشاركة كاملة وكرامة محفوظة.
لقد آن الأوان لأن تنال حضرموت حقها المشروع، فإما عدالة تتحقق بالتمكين، وإما استمرار لنهج الإقصاء الذي لم يعد مقبولًا لا حضرميًا ولا وطنيًا.