(عاد/ واشنطن) متابعات:
دخلت الاجتماعات العسكرية التقنية بين لبنان وإسرائيل، برعاية الولايات المتحدة في ولاية فلوريدا، مرحلة دقيقة، وسط خلافات بشأن آلية التحقق من تنفيذ الترتيبات الأمنية وشروط الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، في وقت يتمسك فيه الوفد اللبناني برفض التنسيق العسكري المباشر مع إسرائيل، بينما تربط تل أبيب انسحاب قواتها بنزع سلاح حزب الله.
وانتهى اليوم الأول من الاجتماعات، الثلاثاء، بعد نحو ست ساعات من النقاشات في مقر القيادة المركزية الأميركية بمدينة تامبا، على أن تُستكمل الأربعاء، وفق مصادر دبلوماسية نقلت عنها وكالة الأناضول.
ولم يصدر، حتى الآن، إعلان رسمي عن تحقيق اختراق في الملفات الخلافية، فيما تتجه الأنظار إلى قدرة الوساطة الأميركية على تقريب وجهات النظر بين الطرفين.
تركزت النقاشات في يومها الأول على تحديد الجهة المخولة بالتحقق من تنفيذ الترتيبات الأمنية، وطبيعة الإجراءات التي يتعين على كل طرف اتخاذها ضمن ما يُعرف بـ”اتفاق الإطار”، الذي يهدف إلى تنظيم الانسحاب الإسرائيلي التدريجي وانتشار الجيش اللبناني في المناطق المعنية.
ويبرز ملف “المناطق التجريبية” بوصفه أحد الاختبارات الأساسية للاتفاق، إذ يفترض أن يسمح تطبيق الترتيبات فيها بتقييم قدرة الجيش اللبناني على بسط سلطته الأمنية، بالتوازي مع انسحاب القوات الإسرائيلية. غير أن غياب آلية تحقق متفق عليها يثير تساؤلات بشأن كيفية إثبات تنفيذ الالتزامات وتحديد المسؤولية عن أي خرق محتمل.
وبحسب تقارير سبقت الاجتماعات، فإن الخلاف لا يتعلق فقط بمراقبة خلو المناطق من السلاح، بل أيضا بتحديد الجهة التي تتولى التقييم، وكيفية تبادل المعلومات، والضمانات المطلوبة لمنع تجدد المواجهات.
تمسك الوفد العسكري اللبناني برفض أي تواصل مباشر مع الجيش الإسرائيلي، مجددا موقفا سبق أن أبداه خلال مباحثات روما. ويصر الجانب اللبناني على أن تتم الاتصالات عبر الوسيط الأميركي، بما يحول دون الانتقال إلى صيغة تنسيق عسكري مباشر بين بيروت وتل أبيب.
في المقابل، تتمسك إسرائيل بموقف يربط الانسحاب من المنطقة الأمنية في الجنوب بنزع سلاح حزب الله، وتطالب بإثبات قدرة الجيش اللبناني على إزالة التهديدات العسكرية من المناطق المحددة.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد شدد، قبل انطلاق الاجتماعات، على ضرورة اختبار قدرة الجيش اللبناني على التعامل مع هذه الملفات.
غياب آلية تحقق متفق عليها يثير تساؤلات بشأن كيفية إثبات تنفيذ الالتزامات وتحديد المسؤولية عن أي خرق محتمل
ويكشف هذا التباين عن اختلاف جوهري في ترتيب الأولويات: فبيروت تطالب بوقف الهجمات والانسحاب الإسرائيلي، فيما تجعل تل أبيب معالجة ملف سلاح حزب الله شرطا أساسيا للتقدم. ويزيد هذا الاختلاف صعوبة التوصل إلى تسلسل زمني متفق عليه لتنفيذ الالتزامات.
ينص اتفاق الإطار، الذي جرى التوصل إليه في 26 يونيو الماضي برعاية أميركية، على انسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي اللبنانية، مقابل انتشار الجيش اللبناني وتنفيذ الترتيبات المتعلقة بالسلاح. وتقول بيروت إن استمرار الوجود الإسرائيلي والهجمات في الجنوب يقوضان فرص تطبيق الاتفاق، بينما ترى إسرائيل أن التقدم في الملف الأمني يتطلب خطوات ملموسة بشأن حزب الله.
وتتعلق إحدى أبرز العقد بكيفية إثبات خلو المناطق التجريبية من السلاح، وما إذا كان التحقق سيتم بواسطة الجيش اللبناني وحده أو من خلال آلية تشرف عليها الولايات المتحدة. كما يظل توسيع نطاق المناطق التجريبية مرتبطا بالتوصل إلى تفاهمات بشأن التنفيذ والمراقبة.
لم يتوسع تطبيق الترتيبات، بحسب المعطيات الواردة بشأن الاتفاق، إلا في بلدات فرون وصريفا وزوطر الغربية في قضاء النبطية، فيما لا تزال بلدات أخرى تحت الاحتلال الإسرائيلي. ويعكس محدودية التطبيق حجم العقبات الميدانية والسياسية التي تواجه الاتفاق، خصوصا في ظل استمرار الهجمات والعمليات الإسرائيلية في جنوب لبنان.
وتكتسب هذه المناطق أهمية خاصة لأنها تمثل اختبارا عمليا لقدرة الطرفين على الانتقال من التفاهمات العامة إلى خطوات قابلة للتحقق. لكن نجاح التجربة يتطلب تحديد مسؤوليات واضحة، وضمانات بشأن الانسحاب، وآلية لمعالجة الخروقات من دون العودة إلى التصعيد العسكري.
لا تقتصر أهمية اجتماعات فلوريدا على الجانب العسكري، إذ تمثل جزءا من الجهود الأميركية لمتابعة تنفيذ الاتفاق واحتواء المواجهة المستمرة منذ تجدد القتال في مارس الماضي.
وكان لبنان قد أعلن أن وفده سيطالب بوقف الهجمات الإسرائيلية، إلى جانب بحث آلية الانسحاب وانتشار الجيش اللبناني.
وتتزامن المباحثات مع أزمة إنسانية واسعة؛ فقد أعلنت وزارة الصحة اللبنانية، في أحدث حصيلة رسمية أمكن العثور عليها بتاريخ 12 أكتوبر، سقوط 4389 قتيلا و12424 جريحا منذ الثاني من مارس. كما تجاوز عدد النازحين مليون شخص وفق المعطيات الواردة في التقارير المتعلقة بالحرب.
ومع استئناف الاجتماعات الأربعاء، يبقى التحدي الأساسي في تحويل النقاشات التقنية إلى خطوات ميدانية ملموسة، تبدأ بتحديد آلية تحقق مقبولة، وتوضيح التزامات كل طرف، وصولا إلى انسحاب إسرائيلي قابل للتنفيذ وانتشار أوسع للجيش اللبناني.
وحتى الآن، لا تشير المعطيات إلى تسوية الخلافات الأساسية، ما يجعل نجاح الوساطة الأميركية مرهونا بقدرتها على معالجة التناقض بين شروط الانسحاب ومطالب الترتيبات الأمنية.
























