مصر ترفع سقف اعتراضها على اتفاق تركيا وليبيا

2026/10/21م

(عاد/ بروكسل) متابعات:

لا يبدو اعتراض مصر على الاتفاق البحري بين تركيا وليبيا مجرد خلاف قانوني بشأن ترسيم الحدود في شرق المتوسط، بل يعكس صراعاً أوسع على موازين النفوذ في المنطقة، وعلى قدرة القاهرة على حماية تصوراتها لمناطقها البحرية من دون التفريط في مسار التقارب مع أنقرة، الذي شهد خلال الفترة الأخيرة محاولات لإعادة بناء العلاقات وتوسيع التعاون السياسي والاقتصادي.

ويكتسب الموقف المصري أهمية إضافية مع إقرار مجلس النواب الليبي الاتفاقية البحرية مع تركيا وإلغاء قرار سابق بالمقاطعة يعود إلى عام 2020، في خطوة تمنح أنقرة دعماً سياسياً من مؤسسة تشريعية ليبية كانت علاقاتها بها متوترة، وتعيد فتح ملف ظل أحد أبرز مصادر التنافس بين البلدين، بالتوازي مع الخلافات المتعلقة بمستقبل ليبيا وتوزيع النفوذ داخلها.

وأعلنت القاهرة رفضها للاتفاق، معتبرة أنه معدوم الأثر القانوني في مواجهتها، ومؤكدة احتفاظها بحق اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية مصالحها البحرية. ويشير هذا الموقف إلى أن مصر لا تنظر إلى التطورات الليبية باعتبارها شأناً داخلياً منفصلاً عن أمنها القومي، بل تربطها مباشرة بحسابات الحدود البحرية ومصالح الطاقة والتوازنات الإقليمية في شرق المتوسط.

لكن حساسية التطور بالنسبة إلى القاهرة لا تنبع من أبعاده البحرية فحسب، بل من صدور المصادقة عن مجلس النواب الليبي في الشرق، الذي تربطه بمصر علاقات سياسية وأمنية وثيقة. ويضع ذلك القاهرة أمام معادلة دقيقة، إذ إن تصعيد الخلاف مع أنقرة قد ينعكس على علاقاتها بالقوى النافذة في شرق ليبيا، فيما قد يؤدي الضغط على هذه القوى بسبب الاتفاق إلى إرباك شبكة المصالح المصرية في الجارة الغربية، بما في ذلك ملفات الأمن الحدودي والتعاون الاقتصادي وأوضاع العمالة المصرية في ليبيا.

ومن ثم، تبدو القاهرة معنية بالتمسك باعتراضها على الاتفاق من دون دفع علاقاتها مع الشرق الليبي إلى مسار من التوتر، قد يحد من قدرتها على التأثير في التطورات الليبية أو يعرّض مصالحها المباشرة لمخاطر إضافية.

وتعود جذور النزاع إلى الاتفاق الذي وقعته تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية السابقة في نوفمبر 2019، لترسيم الحدود البحرية بينهما. وقد أثار الاتفاق اعتراضات من مصر واليونان وقبرص، التي رأت أن الترتيبات التركية الليبية تتعارض مع تصوراتها لحقوقها البحرية، فيما دافعت أنقرة عن الاتفاق باعتباره يستند إلى تفسيرها لقواعد القانون الدولي للبحار ومصالحها الجغرافية.

وتكمن أهمية الاتفاق في أنه يرسم تصوراً للمناطق البحرية الخاضعة لحقوق الطرفين، بما يؤثر في مطالبات ترسيم الحدود ومشروعات التعاون في مجال الطاقة، فضلاً عن حسابات الاستكشاف والاستغلال المحتمل للموارد في شرق المتوسط. ولذلك، فإن الخلاف لا يتعلق بخطوط مرسومة على الخرائط فحسب، بل بحدود النفوذ الاقتصادي والاستراتيجي لكل طرف.

مصر لا تنظر إلى التطورات الليبية باعتبارها شأناً داخلياً منفصلاً عن أمنها القومي، بل تربطها بحسابات الحدود البحرية ومصالح الطاقة والتوازنات الإقليمية

وتتمسك مصر بأن الاتفاق لا يمكن أن ينتقص من حقوقها البحرية، فيما ترى أنقرة أن التفاهم مع الجانب الليبي يوفر أساساً قانونياً لمطالباتها. ويعني تضارب المواقف أن المصادقة الليبية على الاتفاق لا تنهي النزاع، بل قد تعيد تنشيطه سياسياً وقانونياً، خصوصاً إذا دفعت الأطراف المعنية إلى تثبيت مواقفها أو اتخاذ خطوات جديدة لحماية مطالباتها.

ويجب التمييز هنا بين الإقرار السياسي أو التشريعي للاتفاق داخل ليبيا وبين حسم النزاع بشأن آثاره في مواجهة الدول الأخرى. فموافقة البرلمان الليبي تعزز موقع الاتفاق داخل المؤسسات الليبية، لكنها لا تعني تلقائياً أن الاعتراضات المصرية واليونانية والقبرصية قد سقطت، ولا تحسم وحدها مدى توافق الاتفاق مع قواعد القانون الدولي أو حقوق الأطراف الأخرى.

ويمنح موقف البرلمان الليبي تركيا فرصة لتعزيز حضورها السياسي والاستراتيجي في ليبيا، بعد سنوات من الانقسام بين المؤسسات والقوى المتنافسة على السلطة. فإلغاء قرار المقاطعة الصادر عام 2020 يشير إلى استعداد لإعادة ترتيب العلاقة مع أنقرة، ويتيح للأخيرة الاستناد إلى دعم تشريعي ليبي في الدفاع عن الاتفاق البحري الذي يمثل إحدى أهم أوراقها في شرق المتوسط.

ولا تنفصل هذه الخطوة عن أهمية ليبيا بالنسبة إلى تركيا، سواء من حيث موقعها الجغرافي أو إمكاناتها الاقتصادية أو دورها في تحديد موازين القوة في المنطقة. كما أن الاتفاق البحري يمنح أنقرة أداة تفاوضية في مواجهة اليونان، ويعزز قدرتها على الاعتراض على خرائط وتقسيمات بحرية لا تتفق مع تصورها لحقوقها في المنطقة.

لكن المكسب التركي يظل مرتبطاً بمدى قدرة المؤسسات الليبية على تحويل الإقرار السياسي إلى موقف مستقر، في بلد لا تزال فيه الانقسامات السياسية والمؤسسية تؤثر في شرعية القرارات واستمراريتها. كما أن اتساع الاعتراضات الإقليمية على الاتفاق يجعل من الصعب التعامل معه باعتباره تسوية نهائية للنزاع البحري.

وبالنسبة إلى القاهرة، فإن تعزيز التعاون بين أنقرة وأحد أبرز المؤسسات الليبية يثير مخاوف من أن يتحول الاتفاق إلى مدخل لتوسيع النفوذ التركي في الملفات الليبية، بما يتجاوز حدوده البحرية إلى قضايا الأمن والتسوية السياسية والعلاقات بين القوى المحلية.

ويضع التطور الأخير العلاقات المصرية التركية أمام اختبار دقيق. فقد اتجه البلدان خلال الفترة الماضية إلى تخفيف التوتر وإعادة تنشيط العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية، في مسعى لتقليص الخلافات وفتح المجال أمام تعاون أوسع في القضايا الإقليمية. غير أن ملف شرق المتوسط يظل من أكثر الملفات حساسية، لأنه يجمع بين المصالح الاقتصادية والحسابات الأمنية والتنافس على النفوذ.

ولا يعني التصعيد المصري بالضرورة أن القاهرة تتجه إلى إغلاق باب التقارب مع أنقرة، لكنه يكشف حدود التسوية الممكنة بين البلدين. فمصر تستطيع توسيع تعاونها الاقتصادي والسياسي مع تركيا، لكنها لا تبدو مستعدة للتعامل مع الاتفاق البحري باعتباره أمراً واقعاً ينتقص من مطالباتها أو يفرض عليها إعادة رسم حساباتها البحرية من جانب واحد.

وتزداد حساسية هذا التوازن بالنظر إلى علاقات مصر مع اليونان وقبرص، اللتين تتقاطع مصالحهما مع القاهرة في ملفات ترسيم الحدود البحرية والتعاون في مجال الطاقة. وأي مرونة مصرية تجاه الاتفاق التركي الليبي قد تثير تساؤلات بشأن تماسك هذا التنسيق الثلاثي، فيما قد يؤدي التشدد غير المحسوب إلى تعقيد مسار الانفتاح على أنقرة.

لذلك، تبدو القاهرة معنية بالفصل بين مسارات العلاقة مع تركيا، بحيث لا يتحول الخلاف البحري إلى مواجهة شاملة، ولا يصبح التقارب السياسي مبرراً للتنازل عن المصالح التي تعتبرها مصر أساسية. ويمنح هذا النهج الدبلوماسية المصرية مساحة للمناورة، لكنه يتطلب وضوحاً في تحديد الخطوط الحمراء وآليات الدفاع عنها.

وتكشف التطورات أن شرق المتوسط لا يزال ساحة لتداخل القانون والسياسة والطاقة، حيث تتجاوز الاتفاقات الثنائية آثارها المباشرة لتؤثر في حسابات دول أخرى ومصالحها. كما تظهر أن التحولات في المشهد الليبي يمكن أن تعيد تشكيل التوازنات الإقليمية، حتى عندما تتعلق بخطوة تشريعية داخل مؤسسة وطنية.

وفي هذا السياق، لن يتوقف أثر إقرار البرلمان الليبي الاتفاقية عند تعزيز موقف أنقرة، بل سيمتد إلى اختبار قدرة مصر على حماية مصالحها البحرية مع الحفاظ على شبكة علاقاتها الإقليمية. وقد يفتح التصعيد المتبادل المجال أمام تحركات دبلوماسية وقانونية جديدة، أو يكرس حالة من التنافس الممتد إذا عجزت الأطراف عن التوصل إلى تفاهمات بشأن مطالباتها المتعارضة.

وتواجه القاهرة معادلة دقيقة: رفض اتفاق تعتبره ضاراً بحقوقها، من دون تحويل الخلاف إلى عقبة دائمة أمام التقارب مع تركيا، والحفاظ في الوقت نفسه على التنسيق مع اليونان وقبرص. أما أنقرة، فتسعى إلى تثبيت الاتفاق باعتباره مكسباً استراتيجياً، لكنها تدرك أن تعزيز موقعها داخل ليبيا لا يكفي وحده لإنهاء الاعتراضات الإقليمية.

اضف تعليقك