إيران توسّع التهديد إلى شرايين الاقتصاد الرقمي الخليجي

2026/10/20م

(عاد/ فرنسا) متابعات:

يتجاوز التهديد الإيراني باستهداف كابلات الإنترنت البحرية في مضيق هرمز حدود المواجهة العسكرية التقليدية، ليفتح جبهة محتملة تمس البنية الرقمية التي تعتمد عليها اقتصادات الخليج في الاتصالات والتجارة والخدمات المالية. فهذه الكابلات، التي تنقل كميات هائلة من البيانات بين دول المنطقة وبقية العالم، باتت جزءا من البنية التحتية الحيوية، ما يجعل أي استهداف لها مصدر قلق يتجاوز شركات الاتصالات إلى المصارف والأسواق المالية ومراكز البيانات.

وتأتي هذه التهديدات في وقت تتسع فيه المواجهة بين طهران وواشنطن، وسط تعثر المساعي السياسية وتزايد المخاطر المحيطة بالملاحة في المضيق. وإذا انتقل التهديد إلى التنفيذ، فقد تواجه الشبكات الرقمية في المنطقة اضطرابات متفاوتة، تتوقف شدتها على عدد الكابلات المتضررة، وحجم البيانات التي تمر عبرها، وقدرة المشغلين على تحويل حركة الاتصال إلى مسارات بديلة.

ومساء الاثنين، ألمح متحدث الحرس الثوري الإيراني، العميد حسين محبي، إلى احتمال استهداف كابلات رئيسية تمر تحت مضيق هرمز، قائلا إن سبعة كابلات رئيسية تعبر المنطقة، وإن بيانات الإنترنت والتجارة ترتبط بها، مضيفا أن «أهدافا جديدة ستعلن وأسلحة جديدة سيكشف عنها». ويضع هذا التصريح البنية الرقمية ضمن نطاق التهديدات التي تلوح بها طهران في سياق المواجهة مع الولايات المتحدة، وإن كان لا يعني أن قرارا باستهداف الكابلات قد اتخذ أو أن الهجوم بات وشيكا.

وتشمل أنظمة الكابلات المرتبطة بمضيق هرمز ومياهه المحيطة كابلات «آسيا-إفريقيا-أوروبا 1»، و«فالكون»، و«جسر الخليج الدولي»، و«تي جي إن-غلف»، وفق بيانات شركة «تيلي جيوغرافي» المتخصصة في خرائط الاتصالات البحرية وتقارير إعلامية. وتربط هذه الأنظمة دول الخليج بشبكات الاتصالات الدولية، وتتيح نقل البيانات بين المؤسسات والمستخدمين ومراكز الخدمات الرقمية في مناطق مختلفة من العالم.

ولا يعني تضرر هذه الكابلات انقطاع الإنترنت بالكامل عن دول الخليج، إذ تعتمد الشبكات الوطنية على بنى متعددة، وقد تتمكن الشركات من تحويل حركة البيانات إلى كابلات ومسارات أخرى. لكن هذا الخيار يرتبط بالسعة المتاحة في البدائل، ومدى استقلال المسارات عن منطقة الضرر، وقدرة الشبكات على استيعاب الزيادة المفاجئة في حركة البيانات.

وقد يؤدي خروج بعض الكابلات من الخدمة إلى بطء الاتصال أو اضطراب الوصول إلى الخدمات السحابية والتطبيقات التي تعتمد على مراكز بيانات خارج الدولة. كما يمكن أن تتأثر خدمات حكومية وتجارية تتطلب تبادلا مستمرا للبيانات مع الخارج، مع اختلاف حجم التأثير بين دولة وأخرى تبعا لدرجة تنوع شبكاتها واستعدادها للطوارئ.

وحذر رئيس دائرة الاتصال والإعلام بوزارة الخارجية القطرية، إبراهيم الهاشمي، من تداعيات التهديدات الإيرانية، متسائلا خلال إحاطة أسبوعية في الدوحة: «من المتضرر الأكبر من قطع كابلات الإنترنت؟»، ومشيرا إلى أن الشعب الإيراني ودول المنطقة سيكونون الخاسر الأكبر. ويعكس هذا الموقف مخاوف خليجية من أن يمتد أثر أي تصعيد إلى اقتصادات المنطقة وسكانها، بدلا من اقتصاره على أطراف المواجهة العسكرية.

وتتضح أهمية استقرار الاتصالات الدولية مع توسع الاعتماد على المعاملات الرقمية. وتبلغ أصول البنوك التجارية في دول مجلس التعاون الخليجي نحو 4.1 تريليونات دولار، فيما تصل القيمة السوقية للبورصات الخليجية إلى نحو أربعة تريليونات دولار بنهاية يونيو 2026، وفق بيانات الأمانة العامة للمجلس. وتعكس هذه الأرقام حجم النشاط المالي في المنطقة، لكنها لا تمثل تقديرا للخسائر المحتملة إذا تضررت الكابلات البحرية.

وفي السعودية، ارتفعت حصة المدفوعات الإلكترونية من إجمالي مدفوعات التجزئة إلى 85 بالمئة خلال 2025، مقابل 79 بالمئة في العام السابق، فيما بلغ عدد عمليات الدفع الإلكتروني نحو 14.6 مليار عملية. وفي الإمارات، وصل حجم سوق التجارة الإلكترونية إلى 42.2 مليار درهم في 2025، مقارنة بـ32.3 مليار درهم في 2024، بحسب وكالة الأنباء الرسمية «وام».

وقد يؤدي اضطراب الاتصالات إلى تأخير بعض عمليات الدفع أو تبادل البيانات بين المؤسسات المالية، لكنه لا يعني بالضرورة توقف جميع المدفوعات أو التداولات. فالتأثير يتوقف على بنية الأنظمة التقنية لكل مؤسسة، ومدى اعتمادها على الاتصال الدولي، وتوافر قنوات بديلة وخطط لاستمرارية الأعمال.

ويمتد القلق إلى مراكز البيانات والخدمات السحابية ومشروعات الذكاء الاصطناعي التي تتوسع فيها دول الخليج. فهذه الأنشطة تحتاج إلى اتصالات مستقرة وسريعة لنقل البيانات بين المواقع المختلفة، وقد يرفع أي اضطراب طويل كلفة التشغيل ويزيد الحاجة إلى مسارات احتياطية وتوزيع الخدمات على أكثر من مركز بيانات.

كما قد تدفع المخاطر الشركات إلى مراجعة خطط استمرارية الأعمال والاستثمار في سعات إضافية ومسارات اتصال بديلة. غير أن حجم الأثر على الاستثمارات لا يمكن تقديره قبل معرفة نطاق الضرر ومدته، وما إذا كانت الشبكات البديلة قادرة على استيعاب حركة البيانات من دون اختناقات كبيرة.

ولا يقتصر التأثير المحتمل على الخليج؛ فالكابلات البحرية جزء من شبكة دولية مترابطة، وقد تتأثر اتصالات مناطق أخرى إذا اعتمدت على الكابلات المتضررة أو على المسارات البديلة التي ستستقبل حركة البيانات المحولة. لكن ذلك لا يعني بالضرورة انقطاع خدمات الإنترنت في تلك المناطق، إذ قد يظهر التأثير في صورة بطء أو ضغط إضافي على بعض المسارات.

وتزيد طبيعة الإصلاح من تعقيد السيناريو. فقد تستغرق معالجة الأعطال أسابيع أو شهورا، بحسب موقع القطع وحجمه وتوافر سفن الصيانة وإمكانية وصولها بأمان. ومع ذلك، لا تعني مدة الإصلاح استمرار اضطراب الخدمات طوال تلك الفترة، إذ يمكن استعادة جانب من الاتصال عبر المسارات البديلة قبل الانتهاء من إصلاح الكابلات المتضررة.

وتكشف التهديدات الإيرانية أن البنية الرقمية باتت جزءا من حسابات الصراع الإقليمي، إلى جانب الملاحة وإمدادات الطاقة. فاستهداف كابلات الإنترنت لن يضمن لطهران مكسبا استراتيجيا، وقد يرتد أثره على اتصالاتها واقتصادها أيضا، لكنه يسلط الضوء على هشاشة بعض مسارات الاتصال الدولية وأهمية تنويعها. وبينما يبقى حجم الخطر مرهونا بما إذا كانت التهديدات ستتحول إلى فعل، تواجه دول الخليج اختبارا إضافيا يتمثل في حماية البنية الرقمية وتعزيز قدرتها على مواصلة الخدمات في حال تعطل أحد شرايينها البحرية.

اضف تعليقك