باكستان على فوهة بركان.. لماذا ينفجر الشارع الآن؟

2026/10/10م

(عاد/ بروكسل) متابعات:

انسداد سياسي تتراكم داخله أزمات الاقتصاد وصراع السلطة المدنية مع المؤسسة العسكرية، في حين يفتح التصعيد مع أفغانستان جبهة خارجية جديدة أمام دولة مثقلة بالتحديات.

مشهد يجعل من باكستان تبدو كبركان تتجمع الحمم في جوفه، فيما يشكل استمرار سجن عمران خان وتعثر المفاوضات شرارة محتملة لتفجير غضب يتجاوز أنصاره، في ظل ارتفاع أسعار الوقود وتآكل القدرة الشرائية واتساع الشعور بالاختناق المعيشي.

تصعيد يكتسب دلالته من توقيت تتعزز فيه قبضة المؤسسة العسكرية بمكاسب إقليمية ودبلوماسية، في حين تتراجع فرص التسوية السياسية وتزداد قناعة المعارضة بانسداد أبواب التغيير.

وبين مسيرة دعا إليها أنصار عمران خان تتجه نحو إسلام آباد وسلطة تتحسب لشلل العاصمة، يظل الخطر الأكبر في انتقال الاحتجاجات من ورقة ضغط سياسية إلى موجة إضرابات واضطرابات اجتماعية، إذا اختارت الحكومة المواجهة الأمنية بدلًا من معالجة جذور الأزمة.

فماذا يحدث في باكستان؟
مظاهرات حاشدة نظمها حزب «حركة الإنصاف» الباكستاني تزحف باتجاه العاصمة إسلام آباد، للمطالبة بإطلاق سراح زعيمه عمران خان، في تطور يزيد الضغوط السياسية على الحكومة الباكستانية، التي فشلت عبر جولتين من المفاوضات في التوصل إلى تفاهم مع المعارضة.

حشد يكشف عن غضب شعبي، يتزامن مع الاعتراض على فرض عمليات عسكرية إضافية في إقليم خيبر بختونخوا من دون التشاور مع حكومته المحلية

ذلك الغضب، ترجم في مسيرة يقودها رئيس حكومة الإقليم سهيل أفريدي، الذي أكد أمام المشاركين التزام التحرك بالسلمية والأطر الدستورية، معلنا رفضه تنفيذ مزيد من العمليات العسكرية في الإقليم.

ويعتزم الحزب الوصول إلى مدينة صوابي، الأحد، قبل تحديد خطوته التالية نحو العاصمة، في حين لا يزال توقيت دخول المتظاهرين إلى إسلام آباد غير واضح.

ويتمسك الحزب بأن أي مفاوضات جادة مع الحكومة تتطلب مشاركة عمران خان، بعد تعثر المحادثات بسبب الخلاف على إتاحة التواصل معه وسياسة مكافحة الإرهاب.

وعمران خان قيد السجن منذ أغسطس/آب 2023، ويقضي عقوبة في قضية فساد يقول إنها ذات دوافع سياسية، إلى جانب مواجهته قضايا جنائية أخرى. وسبق أن تولى عمران خان رئاسة الحكومة بين عامي 2018 و2022، قبل أن يطيح به تصويت برلماني لحجب الثقة.

توتر ومخاوف
ورفع متظاهرون كثر أعلام الحزب المعارض، فيما كُتب على لوحة إعلانية ضخمة مثبتة على شاحنة عبارة «أفرجوا عن عمران خان»، وحملت اللوحة صورة خان مبتسما ورافعا قبضته.

ومنذ أسابيع، وُضعت حاويات شحن صادرتها السلطات مؤقتا على امتداد الطرق الرئيسية وعند المداخل الاستراتيجية للعاصمة الباكستانية، لقطع الطريق أمام المتظاهرين.

وتعيد المسيرة إلى الواجهة التوتر الذي رافق احتجاجات نوفمبر/تشرين الثاني 2024، حين اندلعت مواجهات بين أنصار خان وقوات الأمن، وسط روايات متعارضة بشأن ملابساتها وحصيلة ضحاياها.

وبينما يرفض الحزب اتهامات الحكومة له بالتعاطف مع المسلحين، يؤكد أن إجراءات مكافحة الإرهاب يجب أن توضع بالتشاور مع حكومة الإقليم.

وتصاعد استياء أنصار المسؤول السابق المسجون خلال الأشهر الأخيرة، وكذلك قلقهم حيال الرعاية الطبية المقدمة له والسماح لأطبائه وعائلته بزيارته، فيما طالبت «حركة الإنصاف» -أيضا- بالإفراج عن شقيقاته الثلاث اللواتي اعتُقلن الشهر الماضي.

وقال المعارض راجا ناصر عباس إن مفاوضات اللحظة الأخيرة بين الحكومة وممثلي الحركة وصلت إلى “طريق مسدود”.

وأوضح، في تصريح لقناة «جيو تي في» الإخبارية الخاصة، أن المفاوضات تعثّرت عند مجموعة من المطالب شملت تمكين طبيب خان من معاينته.

أسباب الخلاف
يمتد الخلاف إلى صلاحيات الحكومة المحلية، مع مناقشة مسؤولين اتحاديين خيارات لوضع خيبر بختونخوا مؤقتا تحت الإدارة الاتحادية المباشرة، من دون إعلان قرار.

ومن شأن هذا الإجراء، إذا اتُّخذ، نقل صلاحيات من حكومة الإقليم التي يقودها الحزب المعارض إلى حاكمه.

كما يمتد الخلاف إلى صلاحيات الحكومة المحلية، مع مناقشة مسؤولين اتحاديين خيارات لوضع خيبر بختونخوا مؤقتا تحت الإدارة الاتحادية المباشرة، من دون إعلان قرار.

ويقبع خان، نجم الكريكت السابق البالغ 73 عاما، خلف القضبان منذ آب/أغسطس 2023 ويواجه عشرات التهم التي تراوح بين الفساد والخيانة والتحريض على العنف عقب الاحتجاجات التي اندلعت ضد الحكومة في أيار/مايو 2023 وما تخللها من أعمال شغب.

لكن.. ما سر التوقيت؟
يقول الدكتور سيد مكاوي، أستاذ العلاقات الدولية والخبير في الشؤون الباكستانية، إن إقصاء المعارضة يكرّس شعورها بالتهميش، ويضع الحكومة أمام مسؤولية سياسية متزايدة عن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها البلاد، بما يمنح المعارضة فرصة لتوظيف هذه الأوضاع في تحركاتها السياسية.

وأوضح الخبير في الشؤون الباكستانية في حديث لـ«العين الإخبارية»، أن باكستان تعيش أزمة ثقة عميقة بين السلطة والمعارضة، تفاقمت مع استمرار سجن عمران خان وشقيقاته وعدد من قيادات المعارضة، فضلًا عن وجود كوادر من حزب حركة الإنصاف خارج البلاد أو ملاحقين داخلها.

وحذر مكاوي من أن الاحتجاجات قد تتحول بصورة مفاجئة إلى شرارة لإضرابات واسعة، في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، والمشكلات الهيكلية التي يعانيها الاقتصاد، وتداعيات الفيضانات المتعاقبة، إلى جانب الاضطرابات الأمنية المرتبطة بتمرد البلوش ونشاط حركة طالبان باكستان، فضلًا عن التوتر مع حكومة كابول وتداعيات الحرب مع إيران.

فما الحل؟
وشدد على ضرورة أن يقود الجناح المدني في السلطة جهودًا جادة لرأب الصدع بين معسكر عمران خان وقيادة الجيش، معتبرًا أن معالجة هذا الانقسام تخدم المصلحة العليا للشعب والدولة الباكستانية.

وأكد أن احتواء هذه المخاطر يتوقف بدرجة كبيرة على طريقة تعامل حكومة إسلام آباد مع الاحتجاجات، موضحًا أن التعاطي معها باعتبارها أزمة سياسية تستدعي حلًا سياسيًا يمثل المسار الأنسب لنزع فتيل التوتر.

«أما التعامل معها باعتبارها معركة يتعين على السلطة الانتصار فيها، فقد يدفع البلاد إلى مزيد من الاضطرابات السياسية والاجتماعية، دون أن يحقق أي طرف مكسبًا حقيقيًا، لتكون الدولة الباكستانية الخاسر الأكبر»، يقول مكاوي.

وأشار إلى وجود قنوات اتصال بين الحكومة والمعارضة، لكن تمسك الأخيرة بأن تجري المفاوضات مع عمران خان شخصيًا قد يزيد تعقيد المشهد.

ورأى أن الأولوية ينبغي أن تكون التوصل إلى تسوية تنهي الأزمة، بدلًا من الانشغال بآلية التفاوض، مع ضرورة إتاحة المجال أمام الطرفين للخروج منها مع الحفاظ على ماء الوجه، دون تصوير أي منهما باعتباره مهزومًا أو الآخر منتصرًا.

الساعات والأيام المقبلة ستكون حرجة لباكستان ويجب على الحكومة الباكستانية المنوطة بمسؤولية البلاد ممارسة أعلى درجات الحكمة والمرونة وضبط النفس لاحتواء الوضع والحفاظ على مقدرات البلاد.

وحول أسباب رفض الجيش أي تحرك سياسي، قال مكاوي، إن المواجهة العسكرية الأخيرة مع الهند أسهمت في تعزيز نفوذ قائد الجيش الباكستاني، المشير عاصم منير، وتحسين صورته لدى الرأي العام، مرجحًا أن تكون هذه المكاسب قد عززت شعوره بالقوة، وجعلت موقفه تجاه المعارضة الباكستانية أقل مرونة.

تراكم الأزمات
فيما تحدث خبير الشؤون الجيوسياسية والباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة في بريطانيا تيم ويلاسي-ويلسي عن «تفاقم المشكلات التي تواجه باكستان وتراكمها».

وأشار ويلاسي-ويلسي إلى أن الاحتجاجات «مدفوعة في جوهرها بعوامل اقتصادية»، مع تسبب الحرب في الشرق الأوسط بارتفاع أسعار الوقود في باكستان، إضافة إلى ارتفاع أسعار الغذاء على خلفية الحرب في أوكرانيا.

وأكد أن «الحياة اليومية أصبحت معاناة حقيقية بالنسبة للباكستانيين العاديين في السنوات الأخيرة»، مشيرًا إلى أن «عمران خان يُعدّ محور المعارضة للحكومة بأسرها».

اضف تعليقك