الجيش الأمريكي والذكاء الاصطناعي.. فرص وتحديات ونتائج عكسية

2026/08/20م

(عاد/ بروكسل) متابعات:

يوما بعد يوم، يتزايد دور الذكاء الاصطناعي في شتى مناحي الحياة، لكن دمجه في المجال العسكري ينطوي على مخاطر كبرى.

ولا يتمثل الخطر الأكبر للذكاء الاصطناعي في المجال العسكري على سيناريوهات الخيال العلمي، مثل تمرد الآلات أو خروج الروبوتات القاتلة عن سيطرة البشر، بل في خطر أكثر واقعية وهو تآكل قدرة الجنود والقادة على التفكير المستقل، وتقييم الأدلة، واتخاذ القرارات بأنفسهم.

ووفقا لتحليل نشرته مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية، فإن إعادة النظر في كيفية تدريب الجيش الأمريكي على استخدام هذه التقنيات، يعد أمرا في غاية الأهمية، بحيث تظل السيطرة البشرية قائمة ليس فقط على الآلات، وإنما أيضًا على السلوك والتفكير البشري أثناء التعامل معها.

وغالبا ما يستحضر النقاش العام حول الجمع بين الذكاء الاصطناعي والجيش، فيلم “المدمر” الذي خرج فيه نظام ذكاء اصطناعي عن السيطرة وبدأ حربًا ضد البشر.

ورغم أهمية ضمان بقاء الإنسان مسيطرًا على أنظمة الذكاء الاصطناعي، ومنع سيناريوهات مثل سيناريو “المدمر”، إلا أن أن التركيز المفرط على خطر استقلالية الآلات قد يحجب مشكلة أخرى لا تقل خطورة.

وتشير مجموعة متزايدة من الدراسات، إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي يمكن أن يؤثر في القدرات المعرفية للبشر، بما في ذلك قدرتهم على تقييم المعلومات، وإصدار أحكام مستقلة، وحتى أداء مهامهم الأساسية.

ولا يدعو التحليل إلى التخلي عن الذكاء الاصطناعي في الجيش، حيث تؤكد على دور هذه التكنولوجيا في تحسين الكفاءة وتقليل الأخطاء والمساعدة في التعامل مع كم هائل من المعلومات.

لكن وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) تحتاج إلى تدريب أكثر دقة وعمقًا للجنود والقادة على كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي، ومراقبة تأثير هذه الأنظمة في طريقة تفكيرهم.

ووفق التقرير، قد يتطلب الحفاظ على القدرة البشرية على الإشراف على الآلات تبني بعض التقنيات بوتيرة أبطأ، بدلًا من الاندفاع نحو نشرها على نطاق واسع.

ويشير التحليل إلى مفهوم يعرف باسم “التحيز للأتمتة” وهو ميل البشر إلى تفضيل حكم الآلة على حكمهم الشخصي وهو أمر لم يبدأ مع الذكاء الاصطناعي فقد سبق أن اتبع بعض الأشخاص تعليمات أنظمة الملاحة بصورة عمياء إلى درجة قيادة سياراتهم إلى أماكن خطرة.

لكن الذكاء الاصطناعي قد يجعل المشكلة أكبر لأنه يبدو أكثر ذكاء وقدرة على الإقناع.

وترى بعض الأبحاث أن الاعتماد على أنظمة الذكاء الاصطناعي قد يضعف اكتساب المهارات لدى المبتدئين، وقد يؤدي إلى تراجع المعرفة والقدرات لدى الخبراء.

وشهدت بعض التجارب تقديم مساعدة من الذكاء الاصطناعي لمتخصصين في علوم الحاسوب وأطباء أورام، وكانت المفارقة هي تراجع أداؤهم بعد سحب هذه المساعدة منهم مقارنة بمستوى أدائهم قبل استخدامها.

وتثير هذه النتائج القلق خاصة في ظل توجه الجيش الأمريكي نحو ما يصفه وزير الحرب بيت هيغسيث بـ”قوة قتالية تضع الذكاء الاصطناعي أولًا”.

ويأمل بعض القادة في استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل المناورات الحربية والمساعدة في تطوير الخيارات وخطط العمل العسكرية، ويمكن أن يقود ذلك إلى ابتكارات تكتيكية واستراتيجية مهمة، لكنه قد يؤدي أيضًا إلى إضعاف قدرة القادة والجنود على تقييم البدائل بأنفسهم أو ابتكار حلول مستقلة.

وعلى سبيل المثال، قد يكون البحارة مرهقين أثناء فحص صور لأجسام يحتمل أن تشكل تهديدًا، وعند ظهور حكم من الحاسوب بأن الجسم سفينة حربية معادية، قد يميلون إلى قبوله حتى لو كانت ملاحظاتهم تشير إلى أنه مجرد ناقلة بضائع أو قارب صيد.

وعلى نحو مشابه، قد يلجأ قادة في ساحة المعركة إلى خطط سريعة تقترحها أنظمة الذكاء الاصطناعي لمواجهة هجوم معاد، لكن الاعتماد المفرط عليها قد يفقدهم ميزتهم التكتيكية ويجعلهم يتبنون توصيات الخوارزمية دون دراس.

ويزداد الخطر حيث أظهرت بعض التجارب ميل نماذج الذكاء الاصطناعي إلى تقديم توصيات عدوانية وتصعيدية بصورة غير ضرورية.

ورغم أن المؤسسة العسكرية الأمريكية تستثمر تقليديًا في تنمية الحكم والانضباط والخبرة لدى أفرادها، إلا أن الذكاء الاصطناعي يمثل تحديًا مختلفًا عن التقنيات السابقة، وفق فورين آفيرز.

ويقترح التحليل إعادة صياغة نظام التدريب العسكري حيث يحتاج صغار الضباط إلى تعليم واسع يمنحهم فهمًا عامًا لقدرات الذكاء الاصطناعي وحدوده، بينما يحتاج القادة الأكثر خبرة والمشغلون إلى نموذج تعلم مستمر وموزع في الميدان، بدلًا من الاعتماد على دورات تدريبية تقليدية متباعدة.

ويدعو التحليل إلى دمج مهندسين وعلماء بيانات ومستشارين قانونيين متخصصين في الذكاء الاصطناعي داخل الهياكل العسكرية لمساعدة القادة على فهم تأثير تصميم الأنظمة وطريقة عرض المعلومات في القرارات البشرية.

فالقادة لا يحتاجون فقط إلى معرفة ما تستطيع الآلة فعله، بل أيضًا إلى إدراك كيف يمكن لطريقة استخدام هذه الآلة أن تغيّر فهمهم للموقف واتخاذهم للقرار.

اضف تعليقك