هرمز رهينة التفاوض.. إيران تربط حركة الملاحة بتنازلات واشنطن

2026/08/18م

(عاد/ بروكسل) متابعات:

لم يعد مضيق هرمز مجرد ساحة جانبية في الصراع بين إيران والولايات المتحدة، بل تحول إلى واحدة من أهم أوراق الضغط التي تستخدمها طهران في معركة التفاوض. فكلما تعثرت الاتصالات مع واشنطن، بدت حركة الملاحة عبر المضيق أكثر عرضة للاضطراب، وكلما اقتربت فرص التفاهم، تزداد احتمالات عودة الممر الحيوي إلى العمل بصورة طبيعية.

وتكشف بيانات حركة السفن في مطلع الأسبوع عن حجم هذا الاضطراب. فقد أظهرت بيانات شركة «كبلر» أن خمس سفن شحن للسلع الأساسية عبرت مضيق هرمز يوم السبت، فيما لم يُسجل عبور أي سفينة يوم الأحد، مقارنة مع 31 سفينة في مطلع الأسبوع السابق. وبينما قد تكون بعض السفن غير مرصودة بسبب إيقاف أجهزة التتبع، فإن الأرقام تظل بعيدة بصورة كبيرة عن مستويات ما قبل الحرب، عندما كان أكثر من 130 سفينة تعبر المضيق يومياً.

ولا يبدو هذا التراجع مجرد نتيجة مباشرة للمخاطر الأمنية، بل يحمل أيضاً بعداً سياسياً واضحاً. فقد جاء بعد هجمات استهدفت ناقلات نفط، من بينها ثلاث سفن تديرها شركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك» أثناء عبورها المضيق، الأمر الذي دفع شركات الشحن إلى إعادة حساب مخاطر المرور في واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.

الأكثر دلالة جاء من طهران نفسها. فقد قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن على واشنطن تلبية شروط إيران المتعلقة بالمضيق حتى تستأنف حركة الشحن البحري. وهي رسالة تعني عملياً أن استقرار الملاحة لن يكون منفصلاً عن مسار التفاوض، وأن هرمز بات جزءاً من طاولة المساومة، وليس مجرد ممر دولي تتعامل معه إيران وفق قواعد الملاحة التقليدية.

تدرك إيران أن أي اضطراب في هرمز لا يضغط على الولايات المتحدة وحدها، بل يطال الاقتصاد العالمي وحلفاء واشنطن في الخليج وآسيا وأوروبا. فقبل الحرب، كان المضيق ممراً رئيسياً لحصة ضخمة من تجارة النفط والغاز العالمية، ما يجعل مجرد ارتفاع المخاطر الأمنية فيه كافياً لرفع تكاليف التأمين والشحن وإعادة توجيه السفن.

ومن هنا تبدو استراتيجية طهران قائمة على إبقاء مستوى معين من عدم اليقين. فهي لا تحتاج بالضرورة إلى إغلاق المضيق بصورة رسمية وشاملة؛ يكفي أن تجعل المرور محفوفاً بالمخاطر، وأن تدفع شركات النقل إلى تقليص رحلاتها أو تغيير مساراتها، حتى يتحول المضيق إلى أداة ضغط اقتصادية وسياسية.

تدرك إيران أن أي اضطراب في هرمز لا يضغط على الولايات المتحدة وحدها، بل يطال الاقتصاد العالمي وحلفاء واشنطن في الخليج وآسيا وأوروبا

وتظهر بيانات «كبلر» مؤشرات على هذه البيئة الجديدة. فقد استخدمت ناقلة غاز ضخمة ترفع العلم الهندي المسار الإيراني، بينما عبرت ناقلة نفط خام ضخمة فارغة مع إغلاق نظام التعريف الآلي، في حين خرجت ناقلة صغيرة محملة بزيت الوقود الإيراني. وتكشف هذه الأنماط أن المرور لم يتوقف بالكامل، لكنه أصبح أكثر انتقائية وحذراً، وربما أكثر ارتباطاً بمن يستطيع تحمل المخاطر أو يحظى بترتيبات خاصة.

في المقابل، تزيد واشنطن الضغط على طهران عبر التلويح باستمرار الحصار البحري إلى أجل غير مسمى. وإذا استمر هذا المسار، فقد يجد الطرفان نفسيهما أمام معادلة خطرة: الولايات المتحدة تستخدم الضغط البحري لإجبار إيران على تقديم تنازلات، فيما تستخدم إيران اضطراب الملاحة للضغط على واشنطن وحلفائها للعودة إلى التفاوض بشروط مختلفة.

وهكذا يتحول هرمز إلى حلقة مفرغة. فاستمرار العقوبات والضغط العسكري يدفع إيران إلى التشدد، وتشدد طهران يدفع واشنطن إلى الإبقاء على أدوات الضغط، فيما تتحمل شركات النقل والدول المستوردة للطاقة الكلفة الاقتصادية لهذا الاشتباك.

ولا تقتصر التداعيات على هرمز. ففي باب المندب، أظهرت بيانات «كبلر» أيضاً تراجع حركة السفن إلى 49 سفينة في مطلع الأسبوع، مقارنة مع 55 في الأسبوع السابق، بينما لم تُرصد شحنات نفط سعودية. وهذا يعني أن اضطراب الممرات البحرية يتوسع، ويزيد من هشاشة شبكة التجارة والطاقة في المنطقة.

في النهاية، تكمن خطورة معادلة هرمز في أن إيران لا تربط أمن المضيق بالتهديدات العسكرية وحدها، بل بمسار التفاوض نفسه. وطالما لم تحصل طهران على تنازلات تعتبرها كافية من واشنطن، فإن عودة الملاحة إلى مستوياتها الطبيعية ستظل موضع شك، فيما ستبقى السفن هدفاً محتملاً للضغط والرسائل السياسية.

وبذلك، لا يعود السؤال فقط: هل تستطيع إيران تعطيل حركة الملاحة في هرمز؟ بل يصبح السؤال الأهم: هل تستطيع واشنطن انتزاع تنازلات من طهران من دون أن تدفع الاقتصاد العالمي إلى ثمن تعطيل أهم شرايين الطاقة؟ إنها معادلة تجعل كل سفينة تعبر المضيق جزءاً من اختبار سياسي أكبر، وتحوّل حركة الملاحة نفسها إلى مؤشر يومي على اتجاه المفاوضات بين واشنطن وطهران.

 

اضف تعليقك