(عاد/ واشنطن) متابعات:
كلما ارتفعت مخاطر إغلاق مضيق هرمز، عادت إلى الواجهة فكرة كانت تبدو لعقود أقرب إلى الخيال الهندسي منها إلى مشروع قابل للتنفيذ: شق قناة مائية عبر شبه جزيرة مسندم العُمانية، تسمح بربط الخليج العربي بخليج عُمان من دون المرور بالممر البحري الذي تحول إلى أحد أخطر نقاط الاختناق في تجارة الطاقة العالمية.
الفكرة اكتسبت زخماً جديداً مع اضطراب الملاحة في هرمز خلال عام 2026، بعدما أدركت دول الخليج أن الاعتماد شبه الكامل على ممر واحد يظل نقطة ضعف استراتيجية، مهما بلغت قدراتها العسكرية أو تحالفاتها الأمنية.
لكن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان يمكن رسم خط على الخريطة يصل بين الخليج وخليج عُمان، وإنما: هل يمكن تحويل هذا الخط إلى قناة تستوعب ناقلات النفط والغاز العملاقة، وتعمل اقتصادياً وأمنياً، وتوفر بديلاً حقيقياً لمضيق هرمز؟
تقع محافظة مسندم العُمانية عند المدخل الجنوبي لمضيق هرمز، وتتمتع بموقع استثنائي يجعلها أقرب نقطة جغرافية يمكن التفكير فيها لإنشاء ممر يتجاوز المضيق.
وتستند الفكرة إلى شق قناة عبر شبه الجزيرة، بحيث تنتقل السفن من مياه الخليج إلى خليج عُمان مباشرة، بدلاً من المرور بالمضيق الذي يمثل بوابة الخروج الرئيسية لناقلات النفط والغاز من الخليج.
أي تنافس بين العواصم على الريادة الإقليمية قد يحوّل المشروع إلى ساحة خلاف جديدة بدلاً من أن يكون أداة لتجاوز هشاشة هرمز
وتعود مقترحات إنشاء قناة عبر مسندم إلى سنوات سابقة، قبل أن تعود إلى النقاش بقوة خلال أزمة هرمز الحالية. وتوجد بالفعل دراسات وأفكار استراتيجية حديثة ترى أن إنشاء ممر مائي عبر المنطقة يمكن أن يقلل اعتماد دول الخليج على نقطة الاختناق البحرية.
لكن مسندم ليست أرضاً سهلة للحفر. فالمنطقة جبلية وعرة، وتصل المرتفعات في نطاق جبال الحجر إلى مستويات كبيرة، ما يجعل أي مشروع لقناة عابرة لشبه الجزيرة تحدياً هندسياً هائلاً. وتشير تقديرات منشورة إلى أن بعض التصورات السابقة كانت تتطلب أعمال حفر ضخمة ونظاماً معقداً من الأهوسة للتعامل مع فروق الارتفاع.
لماذا لا تكفي الأنابيب؟
قد يبدو السؤال منطقياً: لماذا تحتاج دول الخليج إلى قناة بحرية جديدة، في حين تستطيع ببساطة نقل النفط عبر خطوط أنابيب إلى موانئ خارج هرمز؟
والواقع أن هذا هو المسار الذي يجري اعتماده فعلاً.
فالسعودية تمتلك خط أنابيب شرق-غرب الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بينما تعمل الإمارات على توسيع قدرتها على نقل النفط إلى الفجيرة المطلة على خليج عُمان. وتشير بيانات حديثة إلى أن مشاريع خطوط الأنابيب الجديدة يمكن أن تزيد الكميات القادرة على تجاوز هرمز خلال السنوات المقبلة.
لكن الأنابيب لا تحل المشكلة بالكامل.
فالنفط ليس كل ما يمر عبر هرمز. الغاز الطبيعي المسال، خصوصاً الصادرات القطرية، يعتمد بصورة أساسية على النقل البحري، ولا يمكن تحويله ببساطة إلى خطوط أنابيب برية من دون إعادة بناء منظومة التصدير بأكملها.
وهنا تظهر قيمة القناة المقترحة: إنها لا تنقل الطاقة فقط، بل تنقل السفن نفسها إلى البحر المفتوح.
إذا أمكن تنفيذ المشروع بالمواصفات التي تسمح بمرور ناقلات النفط والغاز والسفن التجارية الكبيرة، فقد يتحول من مجرد ممر طوارئ إلى بنية استراتيجية دائمة. وتنتقل من بديل للمضيق إلى «سويس الخليج»؟
لكن هناك فرقاً هائلاً بين قناة صغيرة للسفن محدودة الحجم وبين قناة قادرة على استقبال ناقلات عملاقة تحمل ملايين البراميل.
فالسفن العملاقة تحتاج إلى أعماق وعروض ومساحات دوران ومرافق إرشاد وموانئ ومناطق انتظار، فضلاً عن أن أي قناة جديدة ستحتاج إلى منظومة أمنية كاملة لحمايتها من الهجمات والتخريب.
وهذا يجعل تكلفة المشروع أحد أكبر الأسئلة المفتوحة. فالتقديرات المتداولة للمشاريع العابرة للجبال تصل إلى عشرات أو مئات المليارات من الدولارات، فيما تشير بعض التصورات الحديثة إلى أن القناة العملاقة عبر مسندم ستكون مشروعاً هندسياً استثنائياً وليس مجرد عملية حفر تقليدية.
حتى لو أمكن التغلب على الجغرافيا، ستبقى السياسة أكثر تعقيداً.
فالقناة ستكون داخل الأراضي العُمانية، ما يعني أن مسقط ستصبح صاحبة السيادة على أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وهذا قد يحولها إلى مركز جديد للقوة البحرية والتجارية في الخليج.
بالنسبة إلى دول الخليج، سيكون ذلك مكسباً استراتيجياً إذا وفر لها منفذاً لا تستطيع إيران إغلاقه.
أما بالنسبة إلى عُمان، فقد تكون المعادلة أكثر حساسية. فمسقط بنت خلال عقود سياسة تقوم على الحفاظ على علاقات متوازنة مع إيران ودول الخليج والغرب، وتحولت إلى وسيط في ملفات إقليمية شديدة التعقيد.
إنشاء قناة بديلة لهرمز قد يجعلها فجأة في قلب صراع جيوسياسي جديد، بدلاً من موقع الوسيط الذي اعتادت لعبه.
هل تصبح مسندم «هرمز الجديدة»؟
يمكن لشراكة خليجية واسعة، تقودها مسقط وتشارك فيها الدول الأكثر اعتماداً على الممر، أن توزع التكلفة والمخاطر، وتمنح القناة جدوى اقتصادية أكبر
المفارقة أن محاولة تجاوز هرمز قد تنتج نقطة اختناق جديدة.
فإذا أصبحت قناة مسندم هي المنفذ الرئيسي لصادرات الطاقة الخليجية، فإن قيمتها الاستراتيجية ستجعلها هدفاً محتملاً في أي صراع إقليمي. وبالتالي فإن نقل الخطر من مضيق طبيعي إلى قناة صناعية لا يعني اختفاء الخطر، بل قد يعني إعادة تحديد موقعه.
ولهذا تبدو الاستراتيجية الأكثر واقعية في المدى القريب هي تنويع المخارج: خطوط أنابيب إلى البحر الأحمر، زيادة طاقة الفجيرة، تطوير موانئ خليج عُمان، وربما استخدام مسارات بحرية وبرية إضافية. أما قناة مسندم، فتظل خياراً استراتيجياً بعيد المدى يحتاج إلى دراسة هندسية وبيئية واقتصادية وسياسية ضخمة.
ومع ذلك، فإن مجرد عودة الفكرة إلى النقاش تكشف تحولاً أعمق في التفكير الخليجي: لم يعد السؤال كيف نحمي مضيق هرمز، بل كيف نتوقف عن الاعتماد عليه.
وهنا تحديداً تكمن أهمية قناة مسندم. فهي قد لا تكون غداً «بديل هرمز»، وربما لا تُبنى أصلاً، لكنها تعكس انتقال دول الخليج من استراتيجية حماية عنق الزجاجة إلى استراتيجية كسر الاحتكار الجغرافي الذي يجعل هذا العنق ضرورياً.
وإذا أرادت دول الخليج تحويل قناة مسندم من فكرة استراتيجية إلى بديل حقيقي لمضيق هرمز، فإن ذلك يتطلب ضخ استثمارات خليجية ضخمة في المشروع، والتعامل معه باعتباره بنية أمن قومي خليجية مشتركة لا مشروعاً عُمانياً محلياً.
وهذا يفرض تجاوز حساسيات السيادة والتنافس على من يقود منظومة الأمن والطاقة في الخليج، لأن أي تنافس بين العواصم على الريادة الإقليمية قد يحوّل المشروع إلى ساحة خلاف جديدة بدلاً من أن يكون أداة لتجاوز هشاشة هرمز.
وفي المقابل، يمكن لشراكة خليجية واسعة، تقودها مسقط وتشارك فيها الدول الأكثر اعتماداً على الممر، أن توزع التكلفة والمخاطر، وتمنح القناة جدوى اقتصادية أكبر، وتحوّلها من مجرد منفذ بديل في أوقات الأزمات إلى مشروع استراتيجي يعيد تعريف أمن الملاحة والطاقة في الخليج
وفي عالم أصبحت فيه ممرات الطاقة أهدافاً عسكرية، قد يكون الاستثمار في طريق بديل أغلى من حماية الطريق القديم، لكنه في المقابل قد يكون أكثر قيمة من الناحية الاستراتيجية: فالطريق الذي يمكن تجاوزه يفقد قدرته على ابتزاز من يعتمد عليه.

























