100 يوم على حكومة الزيدي.. إصلاح شائك في العراق

2026/08/17م

(عاد/ واشنطن) متابعات:

يصادف 21 من أغسطس/آب 2026، مرور 100 يوم على تشكيل حكومة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي.

تبدو الحصيلة الحكومية أمام تقييم متباين بين من يرى أن الحكومة بدأت بتحويل بعض تعهداتها إلى إجراءات فعلية، ومن يعتقد أن ما تحقق لا يزال دون مستوى التحديات التي تواجه العراق، ولا سيما في ملفات الفساد والاقتصاد والطاقة وحصر السلاح.

وتكشف آراء سياسيين ومحللين وخبراء استطلعت “العين الإخبارية” آراءهم، أن الـ 100 يوم الأولى حملت مؤشرات إيجابية في بعض الملفات، خصوصاً مكافحة الفساد، لكنها لم تنتج بعد تحولاً واضحاً في ملفات أكثر تعقيداً، مثل تنويع الاقتصاد، معالجة أزمة الكهرباء، تقليل الاعتماد على الاستيراد، وتأمين مصادر مستقرة للإيرادات والسيولة.

وبينما يرى مؤيدو الحكومة أن مئة يوم لا تكفي للحكم على إصلاحات تحتاج إلى سنوات، يطالب منتقدون بالانتقال سريعاً من مرحلة القرارات والإعلانات إلى نتائج يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

مكافحة الفساد.. من فتح الملفات إلى استرداد الأموال
ويبدو ملف مكافحة الفساد الأكثر حضوراً في تقييم أداء الحكومة خلال المئة يوم الأولى. فقد شهدت الفترة الماضية، بحسب المعطيات الواردة في المصدر، تحركاً تشريعياً وقضائياً شمل رفع الحصانة عن نواب وإصدار أوامر قبض بحق شخصيات نيابية وسياسية ومديرين عامين ووكلاء وزارات، في إطار ما وصف بأنه توجه أكثر حزماً في التعامل مع ملفات الفساد.

ويضع ذلك الحكومة أمام اختبار يتجاوز مجرد فتح الملفات أو توقيف المتهمين، ويتمثل في قدرتها على الوصول إلى الأموال والأصول التي يُعتقد أنها نتجت عن عمليات فساد، سواء داخل العراق أو خارجه، ثم استردادها وفق الأطر القانونية.

ويرى المحلل السياسي علي البياتي في حديثه لـ”العين الإخبارية”، أن حكومة الزيدي حققت خطوات مهمة في هذا المجال، مشيراً إلى ما وصفه بـ«صولات الفجر»، ومعتبراً أنها أسهمت في ضرب بعض بؤر الفساد، لكنه شدد على ضرورة مواصلة الإجراءات والوصول إلى ما وصفهم بـ«حيتان الفساد».

ويتقاطع هذا التقييم جزئياً مع رؤية أرقام صالح إسماعيل العصمان، رئيس مؤسسة الفكر الحر لدعم الديمقراطية، الذي يرى أن الحكومة نقلت ملف مكافحة الفساد من مستوى الخطاب السياسي إلى التنفيذ الفعلي، من خلال إجراءات لمنع تضخم كلف المشاريع وملاحقة المتهمين واسترداد الأموال عبر الأطر الرسمية.

لكن العصمان يضع في حديثه لـ”العين الإخبارية”، شرطاً أساسياً لنجاح هذا المسار، يتمثل في أن استرداد الأموال يحتاج إلى أحكام قضائية نهائية وآليات رقابية فاعلة، وبالتالي فإن ما تحقق خلال المئة يوم يمثل، من وجهة نظره، بداية جيدة أكثر من كونه نتيجة نهائية.

الاقتصاد.. محاولات تحت ضغط الأزمات
وفي الملف الاقتصادي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فالعراق لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على عائدات النفط، في وقت تواجه فيه الحكومة ضغوطاً مرتبطة بالسيولة وتمويل الرواتب، فضلاً عن التحديات التي فرضتها التطورات الإقليمية وأزمة تصدير النفط.

ويشير العصمان إلى وجود محاولات لزيادة الصادرات وتنويع منافذ التصدير، لكنه يرى أن الظروف الدولية والأحداث المتسارعة في المنطقة حالت دون تحقيق نتائج واضحة خلال الفترة القصيرة الماضية.

ويضيف أن القطاعات الصناعية والزراعية والسياحية والقطاع الخاص لم تحظَ بعد بالتركيز الكافي، كما يرى أن الضرائب والجمارك لا تزال بحاجة إلى تطوير ضمن رؤية أوسع لتنويع مصادر الإيرادات.

وبحسب هذا التقييم، فإن المشكلة لا تكمن فقط في غياب الأفكار، وإنما في أن التحول من اقتصاد يعتمد على النفط إلى اقتصاد أكثر تنوعاً يحتاج إلى سياسات متواصلة لسنوات، وليس إلى قرارات يمكن قياس نتائجها خلال مئة يوم.

وفي ما يتعلق بالملف الاقتصادي، يرى رئيس مؤسسة الفكر الحر لدعم الديمقراطية أن الحكومة لم تحقق خلال المئة يوم الأولى تقدماً واضحاً في مسار الإصلاح الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل.

ويشير العصمان إلى وجود محاولات لزيادة الصادرات وفتح منافذ جديدة أمام تصدير النفط، إلا أن التطورات الدولية والتوترات الإقليمية المتسارعة حدّت من قدرة الحكومة على تحقيق نتائج ملموسة في هذا المجال.

ويضيف أن جهود تنويع الاقتصاد لم تترافق حتى الآن مع اهتمام كافٍ بتفعيل القطاعات الصناعية والزراعية والسياحية والقطاع الخاص، فضلاً عن ضعف التركيز على تطوير إيرادات الضرائب والجمارك.

ويؤكد العصمان أن بناء اقتصاد أكثر تنوعاً لا يمكن إنجازه خلال فترة قصيرة، بل يحتاج إلى سياسات مستمرة ومتراكمة تمتد لسنوات، داعياً الحكومات الحالية والمقبلة إلى الحفاظ على مسار ثابت في الإصلاح الاقتصادي وعدم التعامل مع هذه الملفات وفق إجراءات مؤقتة أو متقطعة.

أما البياتي، فيرى أن التقدم الاقتصادي خلال هذه الفترة كان بطيئاً، ويربط ذلك بظروف الحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران، الأمر الذي انعكس على قدرة الحكومة على تنفيذ خطوات اقتصادية واسعة.

الرواتب والسيولة.. الاختبار الأكثر حساسية
ويظل ملف الرواتب أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة للمواطن، خصوصاً مع تصاعد النقاش بشأن قدرة الدولة على توفير السيولة والوفاء بالتزاماتها المالية.

وتواجه الحكومة ضغوطاً في هذا الملف، بالتزامن مع تعقيدات تتعلق بتصدير النفط وعدم وجود بدائل كافية ومستقرة بعيداً عن أزمة مضيق هرمز.

وهنا تظهر محدودية النموذج الاقتصادي الحالي؛ إذ إن أي اضطراب في صادرات النفط يمكن أن ينتقل سريعاً إلى المالية العامة، ثم إلى قدرة الدولة على تمويل الرواتب والنفقات الأساسية.

وبالتالي، فإن نجاح الحكومة اقتصادياً لا يمكن قياسه فقط بحجم الإنفاق أو القرارات المالية، وإنما بقدرتها على تأمين الإيرادات المستدامة وتقليل هشاشة المالية العامة أمام الأزمات الخارجية.

الكهرباء.. المواطن لا يرى تحولاً واضحاً
يأتي قطاع الكهرباء في مقدمة الملفات التي يصعب فيها الاكتفاء بالإعلان عن الخطط. ويشير العصمان إلى أن الحكومة أعلنت تحركات تستهدف زيادة ساعات التجهيز وتقليل الانقطاعات، لكنه يرى أن النتائج التي يشعر بها المواطن لم تصل بعد إلى مستوى التحول المطلوب.

ويطرح في هذا السياق مشكلة استمرار استيراد الغاز لتشغيل محطات الكهرباء، في مقابل استمرار هدر الغاز المصاحب بكميات كبيرة.

وبحسب رؤيته، فإن الحكم الحقيقي على أداء الحكومة في قطاع الطاقة سيكون عندما يلمس المواطن زيادة مستدامة في ساعات التجهيز وانخفاض الاعتماد على المولدات الأهلية وتقليص الحاجة إلى استيراد الوقود والغاز.

أما البياتي فكان أكثر حدة في تقييم هذا الملف، إذ أكد عدم وجود بوادر كافية حتى الآن، معتبراً أن تجهيز الكهرباء ما زال «بائساً جداً».

وتكشف هذه الآراء أن أزمة الكهرباء لا تزال واحدة من أبرز الملفات التي قد تحدد صورة الحكومة لدى الشارع، لأنها ترتبط مباشرة بالحياة اليومية للمواطن، ولا يمكن إخفاء نتائجها خلف البيانات والخطط.

الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية.. مسار طويل
في ملف انضمام العراق إلى منظمة التجارة العالمية، تبدو النتائج مختلفة عن الملفات التي يمكن قياسها بأرقام يومية. ويشير العصمان إلى أن العمل على هذا الملف بدأ قبل حكومة الزيدي، وأن الحكومة الحالية واصلت التحرك من خلال التنسيق مع الدول والمنظمات الدولية والسعي للحصول على دعم الولايات المتحدة.

لكنه يؤكد أن العراق لا يزال بعيداً عن العضوية الكاملة، لأن المسار يتطلب مفاوضات طويلة واتفاقات مع الدول الأعضاء وإصلاحات تتعلق بالنظام التجاري والاقتصادي.

وبذلك، فإن ما يمكن نسبته إلى الحكومة خلال المئة يوم هو استمرار وتحريك مسار قائم مسبقاً، وليس تحقيق العضوية أو إغلاق المفاوضات.

حصر السلاح.. الموعد الأصعب
إذا كان ملف مكافحة الفساد يمثل الاختبار القضائي للحكومة، فإن حصر السلاح بيد الدولة يمثل الاختبار الأمني والسياسي الأكثر تعقيداً.

وقد حددت الحكومة، وفق المعطيات الواردة، 30 سبتمبر/أيلول المقبل موعداً نهائياً لإنهاء ملف السلاح المنفلت، في وقت لا تزال فيه بعض الفصائل ترفض تسليم أسلحتها.

وتزداد حساسية الملف مع استمرار التوترات الإقليمية وما يرافقها من مخاوف بشأن استخدام الأراضي العراقية في أنشطة عسكرية قد تضع بغداد أمام ضغوط داخلية وخارجية.

ويشير هذا الملف إلى أن الحكومة لا تتعامل مع قضية أمنية مجردة، وإنما مع توازنات سياسية وفصائل تمتلك نفوذاً عسكرياً وسياسياً في الوقت ذاته.

ولهذا فإن نجاح الحكومة في حصر السلاح سيشكل، في حال تحقق، تحولاً مهماً في علاقة الدولة بالقوى المسلحة، لكنه في المقابل قد يفرض عليها إدارة دقيقة لتجنب انتقال الخلاف السياسي إلى مواجهة أمنية.

حكومة «المكاتب» أم حكومة «الميدان»؟
في تقييمه النهائي، يذهب البياتي إلى أن العراق يحتاج إلى جهد حكومي أكبر، داعياً إلى الانتقال مما وصفه بـ«حكومة المكاتب» إلى «حكومة الميدان وأرض الواقع».

ويقدر البياتي أن ما أنجزته حكومة الزيدي خلال المئة يوم الأولى لا يتجاوز، بحسب تقديره، 15% من المطلوب.

وهذا التقييم يعكس الفجوة بين القرارات الحكومية وبين النتائج التي ينتظرها المواطن، خصوصاً في ملفات الخدمات والاقتصاد والكهرباء.

لكن العصمان يقدم قراءة أكثر توازناً، إذ يرى أن المئة يوم شهدت بداية فعلية في مكافحة الفساد وإطلاق برنامج حكومي واضح، لكنه يؤكد في الوقت ذاته أن ذلك لا يمثل تحولاً مكتمل الأركان، بسبب استمرار نقاط الضعف في تنويع مصادر الدخل وإصلاح قطاع الكهرباء.

ويشدد على أن بعض الملفات العراقية تحتاج إلى سنوات حتى يمكن الحكم على نتائجها، خصوصاً أن المشكلات المتراكمة منذ عام 2003 لا يمكن حلها خلال فترة قصيرة.

قراءة أكثر تفاؤلاً
في المقابل، يقدم الصحفي والمحلل السياسي سعد وحيد الناجي قراءة أكثر إيجابية لأداء الحكومة خلال الفترة الأولى.

ويرى الناجي في حديثه لـ”العين الإخبارية”، أن المئة يوم الأولى تمثل مرحلة مهمة لوضع أسس العمل الحكومي وترجمة البرنامج الوزاري إلى خطوات عملية، مشيراً إلى تحركات في ملفات الخدمات والإصلاح الإداري والاقتصادي وتعزيز الاستثمار ودعم مؤسسات الدولة.

ويؤكد أن ما تحقق يستحق الدعم، لكنه يشدد في الوقت نفسه على ضرورة مضاعفة الجهود خلال المرحلة المقبلة وتحويل الخطط إلى إنجازات ملموسة يشعر بها المواطن.

وبحسب هذه الرؤية، فإن المئة يوم ليست نهاية التقييم، وإنما بداية لمسار حكومي طويل يحتاج إلى الاستمرار والمتابعة والإنجاز.

بين المؤيدين والمنتقدين.. أين تقف الحكومة؟
تكشف الآراء عن تباين واضح في قراءة أداء حكومة الزيدي. فالبياتي يرى أن الحكومة بدأت خطوات مهمة في مكافحة الفساد، لكنه يمنحها تقييماً منخفضاً إجمالاً بسبب ضعف النتائج في الكهرباء وبطء التقدم الاقتصادي.

أما العصمان، فيرى أن الحكومة حققت بداية حقيقية في ملف الفساد، لكنه يضع ملفات الاقتصاد والطاقة والتجارة ضمن دائرة الإصلاحات التي تحتاج إلى وقت أطول حتى تظهر نتائجها.

بينما يركز الناجي على أن تقييم المئة يوم يجب أن ينظر إليها باعتبارها مرحلة تأسيسية، مع أهمية دعم الحكومة ومطالبتها في الوقت نفسه بتحويل برامجها إلى نتائج ملموسة.

وبذلك لا تبدو حصيلة المئة يوم سوداء أو بيضاء بالكامل؛ فهناك إجراءات وقرارات وتحركات فعلية في بعض الملفات، لكن نتائجها النهائية لا تزال قيد الاختبار.

الخلاصة.. المئة يوم ليست شهادة نجاح ولا إخفاق
وبعد مئة يوم، تبدو حكومة الزيدي أمام ثلاثة اختبارات رئيسية: هل تستطيع تحويل حملة مكافحة الفساد إلى استرداد فعلي للأموال؟ هل تنجح في فرض حصر السلاح بيد الدولة من دون الانزلاق إلى مواجهة؟ وهل تستطيع حماية الاقتصاد والرواتب من صدمات الاعتماد على النفط؟

وتضاف إلى هذه الملفات تحديات الكهرباء وتنويع الاقتصاد والانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، وهي ملفات تتطلب إصلاحات تتجاوز عمر الحكومة القصير. وتشير آراء الخبراء إلى أن الحكومة حققت بداية في بعض المسارات، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة التحول البنيوي.

ولهذا فإن المئة يوم الأولى يمكن اعتبارها اختباراً أولياً لجدية البرنامج الحكومي، لا حكماً نهائياً على نجاحه. فالاختبار الحقيقي سيأتي في الأشهر المقبلة، عندما تنتقل القرارات من البيانات والاجتماعات إلى نتائج قابلة للقياس: أموال مستردة، فساد أقل، سلاح تحت سلطة الدولة، اقتصاد أكثر تنوعاً، كهرباء أكثر استقراراً، وقدرة أكبر على حماية الرواتب والمالية العامة من الأزمات.

اضف تعليقك