(عاد/ الرياض) متابعات:
أثار استدعاء فرع الجرائم الإلكترونية في دمشق الصحفي حمزة عباس، عضو مجلس إدارة مؤسسة “صوت الشام” الإعلامية، للتحقيق معه على خلفية رسالة نشرها في مجموعة واتساب خاصة تضم مسؤولين ووزراء يوم الثالث من أغسطس الحالي جدلا واسعا.
وروى عباس في الرسالة ما تعرض له فريق الإذاعة المرخصة من ضغوط لإخلاء مقرها في حي المزة فيلات غربية. وأُفرج عنه بعد ساعات قليلة في اليوم نفسه، دون تعليق رسمي من لجنة مكافحة الكسب غير المشروع أو وزارة الداخلية حتى اللحظة.
تعود جذور الأزمة إلى استئجار المؤسسة، قبل نحو تسعة أشهر، منزلاً بعقد مدته خمس سنوات ليكون مقراً إدارياً وبثاً لإذاعة “صوت الشام”، إضافة إلى استخدامه سكناً غير معلن.
ووفقاً لبيان الإذاعة ومصادر متقاطعة، استولت لجنة مكافحة الكسب غير المشروع على شقة في الطابق الأسفل، وانتقل إليها وزير الزراعة باسل السويدان (الذي يترأس اللجنة أيضاً). ثم طُلب من فريق الإذاعة الإخلاء فوراً بحجة “اعتبارات أمنية” مرتبطة بإقامة الوزير في المبنى نفسه. ومُنع العاملون من دخول المقر، وتصاعد الأمر إلى استدعاء عباس بعد أن وثّق الوقائع في الرسالة طالباً الوساطة.
أشارت التقارير إلى وجود تعميم حديث لوزير العدل يمنع الإحالة إلى المباحث الجنائية في قضايا النشر الإلكتروني، لكن الاستدعاء تم رغم ذلك.
وتُشرف المؤسسة منذ سنوات الثورة على منصات إعلامية معروفة، وهي مرخصة رسمياً.
واثارت الحادثة تساؤلات حول حدود التعبير حتى في المجموعات الخاصة، ومدى قدرة المؤسسات الجديدة على حماية الصحفيين من تدخلات مرتبطة بنفوذ شخصي أو إداري.
وأنهى سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 عقوداً من السيطرة المطلقة على الإعلام. كان النظام السابق يفرض رقابة مسبقة، وتنصتاً، وقوائم سوداء، واعتقالات واختفاءات قسرية طالت مئات الصحفيين.
ووثّقت منظمات مثل مراسلون بلا حدود والشبكة السورية لحقوق الإنسان مئات القتلى والمختفين، مع منظومة تجسس واسعة شملت مراقبة المنشورات والمكالمات. بعد السقوط، توقفت وسائل إعلام مرتبطة بالنظام أو الإيرانيين، وتعرض بعضها للتخريب أو الاستيلاء، بينما عاد صحفيون منفيون وفتحت منافذ جديدة. وتحسّن ترتيب سوريا في مؤشر حرية الصحافة العالمي بشكل ملحوظ، وأصبح بإمكان وسائل الإعلام السفر والتغطية بحرية نسبية، بما في ذلك نقد الحكومة في بعض الحالات.
غير أن التحول لم يكن سلساً. في الأشهر الأولى، سيطرت وزارة الإعلام على بعض الإذاعات الخاصة مثل “شام.أف.إم” وطردت فرقها القديمة بحجج مرتبطة بشراكات سابقة مع رجال أعمال من النظام.
وظهرت حالات توقيف قصيرة أو “خاطئة” لصحفيين أثناء التغطية، واعتداءات جسدية، ومنع من التغطية في مناطق معينة. وثّقت رابطة الصحفيين السوريين عشرات الانتهاكات في 2025، شملت قتلى وإصابات واعتقالات ومنعاً من العمل، مع تحول جغرافي في مصادر الانتهاكات لتشمل أطرافاً متعددة. استمرت قوانين موروثة من عهد الأسد تُستخدم أحياناً في قضايا التشهير أو “إثارة النعرات”، رغم تعليق بعضها.
في 2026، أطلقت وزارة الإعلام مشاورات وطنية حول قانون إعلام جديد يهدف إلى تنظيم القطاع الرقمي والتلفزيوني، وتحديد حقوق الصحفيين ومسؤولياتهم. دعت منظمات مثل لجنة حماية الصحفيين إلى ضمانات دستورية واضحة، وهيئة تنظيمية مستقلة، وحماية من التوقيف التعسفي بسبب العمل الصحفي. لكن الحوادث المتفرقة – مثل توقيفات قصيرة في حلب أو دمشق، أو مضايقات في مناطق ساخنة – تُظهر أن البيئة لا تزال هشة.
وتصف بعض المصادر الوضع بـ”حرية موجّهة” أساسها مساحة أكبر من السابق، لكنها مرتبطة باعتبارات سياسية وأمنية، مع رقابة ذاتية مستمرة وقيود على الوصول إلى مصادر رسمية أو مناطق معينة.
ورغم أن حادثة عباس ليست اعتقالاً طويلاً أو تعذيباً كما كان شائعاً سابقاً، بل توقيفاً لساعات على خلفية رسالة واتساب وهو ما يعكس تغييراً إيجابياً نسبياً مقارنة بالماضي. لكن ربطه مباشرة بشكوى تتعلق بتدخل لجنة رسمية ووزير في نزاع عقاري مع مؤسسة إعلامية مرخصة يثير مخاوف حول استخدام أدوات “الجرائم الإلكترونية” أو النفوذ الإداري للضغط على الإعلام.
وقد واجهت لجنة مكافحة الكسب غير المشروع انتقادات حول أسلوب الاستيلاء على ممتلكات، حتى تلك غير المرتبطة مباشرة بالنظام السابق.
وفي سياق أوسع، يواجه الإعلام السوري الجديد تحديات متعددة منها غياب إطار قانوني متكامل يحمي الاستقلالية، صعوبة التمويل والاستدامة للمؤسسات المستقلة، استمرار الانقسامات السياسية والطائفية التي تؤثر على التغطية، ومخاطر العمل في مناطق النزاع أو الحدود.
وتشير تقارير حديثة تشير إلى أن معظم الانتهاكات منذ 2025 ناتجة عن انقسامات محلية أو ميليشيات أكثر منها سياسة مركزية منهجية، لكن غياب المساءلة السريعة يُضعف الثقة.

























