خطة ترامب لغزة تصطدم بتحفظات نتنياهو رغم تطمينات واشنطن

2026/08/05م

(عاد/ روسيا) متابعات:

رغم الإشادة التي حظيت بها خارطة الطريق الأميركية لإنهاء الحرب في غزة، دخلت الخطة التي يقودها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مرحلة اختبار سياسي مبكر، بعدما اصطدمت بتحفظات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي طالب بضمانات واضحة تربط أي انسحاب إسرائيلي من القطاع بإتمام عملية نزع سلاح حركة حماس بصورة كاملة.

وبينما سارعت واشنطن إلى طمأنة الحكومة الإسرائيلية، برزت في المقابل انتقادات من الوسطاء الإقليميين للتصعيد العسكري الإسرائيلي، في مشهد يعكس حجم التحديات التي تواجه تنفيذ الاتفاق.

وجاءت التحفظات الإسرائيلية بعد أيام من إعلان حركة حماس موافقتها على خارطة الطريق الأميركية، بما في ذلك تسليم أسلحتها إلى لجنة فلسطينية يجري تشكيلها لإدارة قطاع غزة، وهو ما وصفه ترامب بأنه “محطة مفصلية” في مسار إنهاء الحرب المستمرة منذ أكتوبر 2023.

غير أن الصياغة التي تضمنتها وثائق مجلس السلام، الجهة التي يرأسها ترامب والمكلفة بالإشراف على تنفيذ الاتفاق، أثارت قلق نتنياهو وحلفائه، بعدما تحدثت عن وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية “من دون تأخير” و”انسحاب تدريجي” من القطاع، وهو ما اعتبره اليمين الإسرائيلي تنازلاً يسبق تحقيق الهدف الأساسي للحرب، والمتمثل في القضاء على القدرات العسكرية لحماس.

ولاحتواء هذه المخاوف، التقى الممثل الأعلى لشؤون غزة في مجلس السلام نيكولاي ملادينوف برئيس الوزراء الإسرائيلي، قبل أن يصدر المجلس بياناً أكد فيه أن إسرائيل لن تبدأ الانسحاب إلى ما وراء “الخط الأصفر” داخل قطاع غزة إلا بعد اكتمال عملية نزع سلاح حماس بالكامل، وفق التعهدات التي قدمتها الحركة للوسطاء.

وشدد المجلس على أن هناك “فهماً مشتركاً” بين واشنطن وتل أبيب بشأن الأهداف النهائية للخطة، وفي مقدمتها تحويل غزة إلى منطقة لا تمثل تهديداً أمنياً لإسرائيل، في رسالة هدفت إلى تبديد الانطباع بأن الخطة الأميركية تفرض على إسرائيل انسحاباً غير مشروط.

ورغم هذه التطمينات، حرص مكتب نتنياهو على الإعلان أنه أبلغ الإدارة الأميركية بملاحظاته وتحفظاته على الصيغة المنشورة، مؤكداً أن الوثيقة “لا تعكس المواقف الإسرائيلية”.

كما طالب الحكومة الأميركية بضمان أن يكون نزع السلاح “فعلياً وقابلاً للتحقق ولا رجعة فيه”، باعتباره الشرط الأساسي لأي ترتيبات سياسية أو أمنية مستقبلية.

ويعكس هذا الموقف استمرار الخلاف بين الطرفين حول ترتيب خطوات التنفيذ، إذ ترى واشنطن أن موافقة حماس على التخلي عن السلاح تمثل فرصة تاريخية لإنهاء الحرب، بينما تصر إسرائيل على أن الإعلان السياسي لا يكفي، وأن المطلوب إجراءات عملية تثبت تفكيك البنية العسكرية للحركة قبل أي انسحاب ميداني.

وتستند الحكومة الإسرائيلية في تشددها إلى تقديرات أجهزتها الأمنية التي تقول إن حماس نجحت في إعادة تنظيم صفوفها وتجنيد عناصر جدد، إضافة إلى إعادة تسليح نفسها منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، وهو ما تعتبره دليلاً على ضرورة ربط أي انسحاب بضمانات أمنية صارمة.

وفي المقابل، يواجه نتنياهو ضغوطاً داخلية متزايدة من شركائه في الائتلاف اليميني، الذين اعتبروا أن الصياغة الأميركية تختلف عن التفاهمات السابقة مع إسرائيل. ودعا وزير المالية بتسلئيل سموتريتش إلى عقد اجتماع عاجل للمجلس الوزاري الأمني المصغر لإعادة مناقشة الخطة، محذراً من أن أي انسحاب قبل القضاء الكامل على حماس سيعد تراجعاً عن أهداف الحرب.

خطة ترامب، رغم ما حققته من اختراق عبر قبول حماس مبدأ التخلي عن السلاح، لا تزال تواجه عقبات سياسية وأمنية كبيرة.

وتكتسب هذه الضغوط أهمية إضافية مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في أكتوبر، إذ يجد نتنياهو نفسه بين رغبته في الحفاظ على العلاقة الوثيقة مع ترامب، وبين حاجته إلى تجنب خسارة دعم حلفائه من اليمين المتطرف، الذين يشكلون ركيزة أساسية لاستمرار حكومته.

وفي الوقت نفسه، لم تتوقف العمليات العسكرية على الأرض، الأمر الذي زاد من تعقيد المشهد. فقد أعلنت السلطات في غزة سقوط قتلى جراء غارات إسرائيلية جديدة، بينما أكد الجيش الإسرائيلي أنه استهدف عناصر كان يشتبه في إعدادهم لهجمات ضد قواته.

ودفع هذا التصعيد الوسطاء الثلاثة، قطر ومصر وتركيا، إلى إصدار بيان مشترك أدان ما وصفه بـ”الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة”، معتبراً أنها تمثل خرقاً لاتفاق وقف إطلاق النار، وتقوض فرص تنفيذ المرحلة الثانية من خارطة الطريق، خصوصاً بعد إعلان حماس موافقتها على حصر السلاح وتسليمه للجنة الفلسطينية الجديدة.

وأكد الوسطاء أن استمرار العمليات العسكرية يهدد مسار التهدئة ويزيد من معاناة المدنيين، مطالبين إسرائيل بالالتزام الكامل بتعهداتها وفق القانون الدولي وبنود الاتفاق، في إشارة إلى أن نجاح الخطة الأميركية لا يعتمد فقط على التفاهمات السياسية، بل أيضاً على وقف التصعيد الميداني.

وفي المقابل، اتهمت إسرائيل حماس باستغلال البنية التحتية المدنية لإخفاء السلاح والمقاتلين، مؤكدة أن العمليات العسكرية تستهدف منع الحركة من استعادة قدراتها القتالية. ويرى المسؤولون الإسرائيليون أن أي تساهل في هذه المرحلة قد يسمح لحماس بإعادة بناء قوتها، بما يهدد بتكرار هجمات مشابهة لهجوم السابع من أكتوبر.

كما برزت تصريحات القيادي الفلسطيني محمد دحلان، الذي كشف عن اتصالات مع جاريد كوشنر، مستشار ترامب وصهره، أبلغه خلالها بأن الإدارة الأميركية تعمل مع الجانب الإسرائيلي لوقف الهجمات، قبل أن يتهم لاحقاً نتنياهو بعرقلة “أهم فرصة” لإنهاء الحرب.

وتكشف التطورات الأخيرة أن خطة ترامب، رغم ما حققته من اختراق عبر قبول حماس مبدأ التخلي عن السلاح، لا تزال تواجه عقبات سياسية وأمنية كبيرة. فالولايات المتحدة تسعى إلى الحفاظ على زخم الاتفاق عبر تقديم ضمانات لإسرائيل، بينما يصر نتنياهو على أن نجاح أي تسوية مرهون بإزالة التهديد الأمني بشكل كامل، في حين يخشى الوسطاء أن يؤدي استمرار العمليات العسكرية إلى تقويض المسار السياسي برمته.

وبذلك تبدو المرحلة المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت التطمينات الأميركية ستنجح في تجاوز التحفظات الإسرائيلية ودفع الاتفاق إلى التنفيذ، أم أن الخلاف حول ترتيب الأولويات بين الانسحاب ونزع السلاح سيؤدي إلى إبطاء أو حتى تعطيل المسار الذي تراهن عليه واشنطن لإنهاء الحرب في غزة.

اضف تعليقك