(عاد/ موسكو) متابعات:
رغم أن الكويت تُعد من أكثر دول الخليج حذراً في سياساتها الخارجية، ولم تنخرط في مسار التطبيع مع إسرائيل، كما حافظت لعقود على علاقات أقل توتراً مع إيران مقارنة ببعض جيرانها، فإنها تحولت منذ اندلاع الحرب الإيرانية إلى أحد أكثر أهداف طهران تعرضاً للهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة.
وتطرح هذه المفارقة سؤالاً أساسياً: لماذا اختارت إيران الكويت أكثر من جيرانها.
وقد تبدو القراءة الأولى بسيطة؛ فالكويت تستضيف قواعد عسكرية أميركية مهمة، أبرزها معسكر عريفجان وقاعدة علي السالم الجوية ومعسكر بيورينغ، ما يجعلها هدفاً مشروعاً وفق الرواية الإيرانية التي تربط هجماتها بوجود القوات الأميركية.
غير أن هذا التفسير لا يصمد طويلاً أمام المقارنة مع دول خليجية أخرى، مثل قطر التي تضم قاعدة العديد، أكبر قاعدة جوية أميركية في المنطقة، أو الإمارات التي تستضيف قاعدة الظفرة. فهاتان الدولتان لم تتعرضا، بعد استئناف القتال، لكثافة الهجمات نفسها التي استهدفت الكويت، ما يشير إلى أن الحسابات الإيرانية تتجاوز مجرد وجود القواعد العسكرية.
وفي الواقع، تبدو الكويت بالنسبة إلى طهران هدفاً يجمع بين القيمة الاستراتيجية وانخفاض كلفة الاستهداف. فمن الناحية العسكرية، تستطيع إيران توجيه ضربات متكررة إلى منشآت قريبة من قواعد أميركية من دون أن تدخل في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة أو تستهدف أصولاً عسكرية أميركية أكثر حساسية.
وبهذه الطريقة، تبعث برسائل ردع إلى واشنطن وتؤكد قدرتها على التصعيد، لكنها تحافظ في الوقت نفسه على مستوى من الضبط يمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
لكن العامل العسكري ليس سوى جزء من الصورة. فالجغرافيا تمنح الكويت مكانة خاصة في الحسابات الإيرانية. إذ تُعد الكويت، إلى جانب العراق، من أكثر الدول الخليجية اعتماداً على مضيق هرمز لتصدير نفطها، من دون امتلاك مسارات بديلة كتلك التي أنشأتها السعودية عبر خط الأنابيب إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، أو الإمارات عبر خط حبشان–الفجيرة الذي يتجاوز المضيق.
وهذا يعني أن أي تهديد للملاحة في هرمز ينعكس مباشرة على الاقتصاد الكويتي، الذي يعتمد بصورة شبه كاملة على عائدات النفط.
ومن هذا المنطلق، فإن الضغط على الكويت يمنح إيران نفوذاً اقتصادياً يفوق بكثير أثر الضربات العسكرية نفسها. فمجرد التلويح بإغلاق مضيق هرمز أو استهداف السفن المتجهة إلى الموانئ الكويتية يهدد نحو 90 في المئة من الإيرادات الحكومية للدولة، وهو ما يجعل الكويت أكثر حساسية للضغوط مقارنة بجيرانها الذين يمتلكون بدائل تصديرية.
ويكشف ذلك عن تحول مهم في الاستراتيجية الإيرانية؛ إذ لم تعد الصواريخ وحدها أداة الردع الأساسية، بل أصبحت السيطرة على طرق الطاقة والممرات البحرية جزءاً من معادلة الضغط السياسي والاقتصادي. فالكويت ليست هدفاً بسبب حجمها العسكري، وإنما بسبب هشاشتها اللوجستية واعتمادها الكبير على استقرار الملاحة في الخليج.
وإلى جانب الجغرافيا، تبرز البنية التحتية المدنية باعتبارها نقطة ضعف أخرى. فقد شملت الضربات الإيرانية، وفق تقارير متعددة، مطارات ومحطات كهرباء ومنشآت للطاقة ومحطات لتحلية المياه، وهي مرافق تعتمد عليها الكويت بصورة حيوية.
وتكتسب هذه الأهداف أهمية خاصة لأن الكويت تستمد أكثر من 90 في المئة من مياه الشرب عبر التحلية، ما يجعل أي استهداف لهذه المنشآت قادراً على إحداث اضطراب واسع في الحياة اليومية والاقتصاد الوطني.
وتعكس هذه الضربات انتقال إيران من استهداف الأهداف العسكرية التقليدية إلى استراتيجية “الضغط على المجتمع”، عبر ضرب البنية التحتية الحيوية القادرة على توليد ضغوط سياسية داخلية على الحكومات الخليجية. فكلما ارتفعت كلفة حماية المنشآت المدنية، زادت الضغوط على صناع القرار لإعادة تقييم مستوى الانخراط في الترتيبات الأمنية التي تقودها الولايات المتحدة.
الضغط على الكويت يمنح إيران نفوذاً اقتصادياً يفوق بكثير أثر الضربات العسكرية نفسها. فمجرد التلويح بإغلاق مضيق هرمز أو استهداف السفن المتجهة إلى الموانئ الكويتية يهدد نحو 90 في المئة من الإيرادات الحكومية للدولة، وهو ما يجعل الكويت أكثر حساسية للضغوط مقارنة بجيرانها الذين يمتلكون بدائل تصديرية.
ومن المفارقات اللافتة أن استهداف الكويت يضعف أيضاً الرواية الإيرانية المتعلقة بمواجهة التطبيع مع إسرائيل. فالكويت تُعد من أكثر الدول الخليجية رفضاً للعلاقات مع تل أبيب، ولم تنضم إلى اتفاقيات أبراهام، كما أن البرلمان الكويتي كان قد سنّ تشريعات تجرّم أي شكل من أشكال التطبيع. ولو كان هذا العامل هو المحدد الرئيس لاختيار الأهداف، لكانت الكويت الأقل عرضة للهجمات، لا العكس.
ويشير ذلك إلى أن الخطاب الإيراني المعلن يختلف عن الحسابات الفعلية على الأرض. فطهران، وفق هذا المنظور، لا تختار أهدافها بناءً على مواقفها السياسية من إسرائيل بقدر ما تختار الدول التي تمنحها أكبر قدر من التأثير بأقل تكلفة عسكرية وسياسية. إنها براغماتية استراتيجية أكثر منها مواجهة أيديولوجية.
كما تلعب الحسابات الأميركية دوراً مهماً في هذه المعادلة. فالكويت، رغم أنها حليف رئيسي لواشنطن من خارج حلف شمال الأطلسي، لا تحظى بالحضور السياسي والإعلامي نفسه الذي تحظى به السعودية أو الإمارات أو قطر.
وقد تكون طهران قد استنتجت أن استهداف الكويت لن يؤدي تلقائياً إلى رد أميركي واسع، وهو ما يسمح لها باختبار حدود المظلة الأمنية الأميركية في الخليج، وإيصال رسالة إلى بقية الحلفاء بأن الحماية الأميركية ليست مطلقة كما يُعتقد.
ولا تقتصر الرسالة على واشنطن وحدها، بل تمتد إلى بقية العواصم الخليجية. فمن خلال استهداف دولة عُرفت بسياساتها المتوازنة، تريد إيران أن تؤكد أن الحياد السياسي لا يكفي لتجنب الضغوط إذا تعارضت المصالح الاستراتيجية مع أهدافها الإقليمية. وبذلك تصبح الكويت نموذجاً لما يمكن أن تواجهه دول أخرى إذا استمرت في الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة.
ولا تبدو الكويت هدفاً مفضلاً لإيران لأنها الأكثر عداءً لها، بل لأنها تمثل مزيجاً نادراً من الأهمية الاستراتيجية والهشاشة الجغرافية والاقتصادية. فهي تستضيف قواعد أميركية، وتعتمد بالكامل تقريباً على مضيق هرمز، وتفتقر إلى بدائل لتصدير نفطها، كما أن بنيتها التحتية الحيوية شديدة الحساسية لأي هجمات.
ولذلك، فإن استهدافها يمنح طهران قدرة على توجيه رسائل متعددة في آن واحد: إلى الولايات المتحدة، وإلى دول الخليج، وإلى أسواق الطاقة العالمية.
وبهذا المعنى، فإن ما تتعرض له الكويت لا يعكس فقط مسار الحرب الإيرانية، بل يكشف أيضاً عن تطور العقيدة الإيرانية في إدارة الصراع، حيث أصبحت الجغرافيا والاقتصاد وأمن الطاقة أدوات لا تقل أهمية عن الصواريخ والطائرات المسيّرة في رسم معادلات الردع الإقليمي.

























