تقرير: «الموت البطيء» لتحالف الراغبين.. أوروبا بين فراغ القيادة ورهان الخلافة

2026/08/02م

(عاد/ بروكسل) متابعات:

تحولات مصيرية تشهدها الساحة السياسية الأوروبية بعد رحيل قائدين محوريين عن سدة القرار، تاركين خلفهما فراغاً استراتيجياً قد يعيد تشكيل ملامح التحالفات الغربية.

فبينما ودّع السير كير ستارمر الساحة الدولية وسط تصفيق دبلوماسي حار، ونال وساماً فرنسياً رفيعاً هو الأول من نوعه لرئيس وزراء بريطاني في منصبه، يدرك إيمانويل ماكرون أن أيامه في قصر الإليزيه باتت معدودة، مع اقتراب نهاية ولايته الثانية وعدم أهليته للترشح مجدداً.

هذا التقاطع الزمني في رحيل القيادتين، الذي صادف اجتماع تحالف الراغبين الشهري، يطرح تساؤلات وجودية حول مستقبل القيادة الأوروبية في ظل غياب بوصلة واضحة، خاصة في ملفات حساسة كالدعم العسكري لأوكرانيا والعلاقات مع موسكو، بحسب صحيفة التليغراف.

ولم يكن تقارب ستارمر وماكرون مجرد تفاهم سياسي عابر، بل شكّل تحولاً جذرياً أنهى سنوات من التوتر بين لندن وباريس بسبب تداعيات الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، والنزاعات حول الهجرة والصيد البحري واللقاحات.

ونجح الزعيمان في بناء شراكة استراتيجية أعادت الحيوية للعلاقة الثنائية، وأثمرت عن تأسيس “تحالف الراغبين” الذي ضم أكثر من ثلاثين دولة لتنسيق الدعم العسكري والسياسي لأوكرانيا، إلى جانب قيادة مبادرات أمنية حساسة شملت التخطيط لنشر قوات ضامنة لأي اتفاق لوقف إطلاق النار، والمشاركة في عمليات تأمين الملاحة الدولية وإزالة الألغام في مناطق استراتيجية.

غير أن هذا البناء السياسي يواجه اليوم اختباراً وجودياً مع غياب قائديه. فقد خلف ستارمر رئيس الوزراء الجديد أندي بيرنهام، المعروف بخبرته الواسعة في الشؤون الداخلية أكثر من الملفات الدولية، والذي حاول منذ أيامه الأولى تبديد مخاوف الحلفاء عبر لقاء مبكر مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، مؤكداً استمرار التزام بريطانيا بدعم كييف.

إلا أن القلق الأوروبي لا يتركز في لندن بقدر ما يتركز في باريس، حيث تبدو الانتخابات الرئاسية المقبلة مرشحة لإحداث تحول جذري في السياسة الفرنسية.

فرنسا وألمانيا.. قيادة تبحث عن وريث
تثير استطلاعات الرأي الفرنسية مخاوف متزايدة داخل العواصم الأوروبية، مع تصدر مرشحة أقصى اليمين ماريان لوبان المشهد الانتخابي، وهي التي تعهدت بإعادة النظر في موقع فرنسا داخل البنية العسكرية لحلف شمال الأطلسي، وتخفيف العقوبات المفروضة على روسيا، في حين يذهب منافسها اليساري جان-لوك ميلانشون إلى مواقف أكثر راديكالية عبر الدعوة إلى فك الارتباط بالتحالف الغربي بصورة أوسع.

ويخشى المسؤولون الأوروبيون أن يؤدي وصول أي من هذين التيارين إلى السلطة لتقويض أسس التعاون الدفاعي والاستخباراتي الذي بُني خلال السنوات الماضية، وإضعاف الدور الفرنسي باعتباره أحد أعمدة الأمن الأوروبي.

في ظل هذا المشهد، تتجه كثير من الأنظار نحو برلين، حيث يُنظر إلى المستشار الألماني فريدريش ميرتس باعتباره المرشح الطبيعي لوراثة موقع القيادة الأوروبية، خاصة بعد تعهده بتحويل الجيش الألماني إلى أكبر قوة عسكرية في القارة.

طموحات
إلا أن الطموحات الخارجية تصطدم بواقع داخلي أكثر تعقيداً؛ فميرتس يواجه تحديات سياسية متزايدة داخل ائتلافه الحاكم، وانقسامات داخل حزبه بشأن طبيعة العلاقة المستقبلية مع موسكو، فضلاً عن انتقادات تتهمه بالتردد في اتخاذ قرارات استراتيجية حاسمة.

وتنعكس هذه الانتقادات في سلسلة من المواقف التي يعتبرها كثيرون دليلاً على غياب الحسم الألماني، بدءاً من التراجع عن فكرة إرسال قوات إلى أوكرانيا، مروراً بالامتناع عن تزويد كييف بصواريخ “تاوروس” بعيدة المدى، ووصولاً إلى الإحجام عن اتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد شبكات النفوذ الروسي داخل ألمانيا، بما في ذلك مصادرة السفن التابعة لما يعرف بـ”الأسطول الروسي غير الرسمي” أو إغلاق مؤسسات يُعتقد أنها تمثل واجهات للنفوذ الروسي.

ويرى منتقدو ميرتس أن هذه السياسات تعكس انقساماً عميقاً داخل النخبة الألمانية بين من يعتبر روسيا خصماً استراتيجياً طويل الأمد، ومن يعتقد بإمكانية استئناف العلاقات الطبيعية معها فور انتهاء الحرب.

وتثير هذه التطورات تساؤلات متزايدة حول قدرة أوروبا على الحفاظ على تماسكها الاستراتيجي في غياب شخصيات تمتلك الوزن السياسي والقدرة على بناء التوافقات العابرة للحدود.

ويحذر مسؤولون غربيون من أن أي تغيير جذري في القيادة الفرنسية قد ينعكس مباشرة على مستقبل حلف شمال الأطلسي، وعلى آليات تبادل المعلومات الاستخباراتية والتنسيق العسكري بين الحلفاء، وهو ما قد يضع “تحالف الراغبين” أمام أخطر اختبار منذ تأسيسه.

اضف تعليقك