(عاد/ فرنسا) متابعات:
شكل سقوط فيكتور أوربان وفوز رئيس الوزراء الجديد بيتر ماغيار في أبريل/نيسان الماضي، نقطة تحول استراتيجية تعيد المجر إلى صفوف الحلفاء الغربيين بعد سنوات من المماطلة والعلاقات المزدوجة مع موسكو.
فالمجر، التي ظلت طوال عقدين جسراً هشاً بين الناتو والكرملين، تستعد اليوم لتولي دور محوري في الدفاع الأوروبي، خاصة مع تصاعد التهديد الروسي وتراجع الالتزام الأمريكي المباشر بأمن القارة، بحسب مجلة ناشيونال إنترست.
وفي هذا السياق، يُنظر إلى التحول المجري باعتباره فرصة ذهبية لإعادة بناء جبهة دفاعية متماسكة على الحدود الشرقية للحلف، حيث يمكن للتعاون العسكري الإقليمي أن يُنتج رادعاً أكثر استقلالية وفعالية.
إرث أوربان
خلال سنوات حكم أوربان، تبنت المجر سياسة وُصفت بأنها تقوم على الموازنة بين الغرب وروسيا، وهو ما انعكس في مواقف أثارت انتقادات متكررة داخل الاتحاد الأوروبي.
فقد واجهت بودابست اتهامات بعرقلة بعض حزم المساعدات العسكرية الموجهة إلى أوكرانيا، كما أثارت علاقاتها الوثيقة مع موسكو مخاوف بشأن تماسك الموقف الأوروبي في مواجهة الكرملين.
وفي المقابل، يُنظر إلى الحكومة الجديدة باعتبارها أكثر ميلاً لتعزيز التنسيق مع حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، بما يفتح الباب أمام دور مجري أكثر فاعلية في منظومة الردع الجماعي.
يأتي هذا التحول في لحظة تشهد فيها أوروبا مراجعة شاملة لمفهومها الدفاعي، في ظل تزايد القناعة بأن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة لم يعد خياراً مستداماً.
كما أن النقاش الدائر داخل واشنطن حول إعادة توزيع الموارد العسكرية الأمريكية باتجاه آسيا والشرق الأوسط يدفع العواصم الأوروبية إلى تسريع جهودها لبناء قدرات دفاعية أكثر استقلالاً، وهو ما يمنح المجر فرصة للعودة لاعباً مؤثراً في الأمن الإقليمي بعد سنوات من العزلة السياسية داخل المؤسسات الأوروبية.
تعزيز الردع الجماعي
في هذا السياق، يبرز توجه يدعو إلى تعميق التعاون الدفاعي بين دول وسط أوروبا، مستفيداً من الروابط التاريخية والجغرافية التي تجمع المجر وبولندا وسلوفاكيا والنمسا، بهدف بناء إطار إقليمي أكثر تماسكاً لمواجهة التحديات الأمنية المتزايدة.
ويستند هذا الطرح إلى قناعة بأن دول الجبهة الشرقية لأوروبا تواجه التهديدات الروسية بصورة مباشرة، ما يجعل التنسيق العسكري والاستخباراتي بينها ضرورة استراتيجية تتجاوز الاعتبارات السياسية التقليدية.
تبرز بولندا باعتبارها النموذج الأكثر تقدماً في هذا المسار، بعدما عززت قدراتها العسكرية بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، في حين تواجه كل من سلوفاكيا والنمسا تحديات تتعلق بمحاولات توسيع النفوذ الروسي عبر أدوات سياسية وإعلامية.
ومن هذا المنطلق، يرى مؤيدو المشروع أن المجر، في ظل قيادتها الجديدة، يمكن أن تؤدي دوراً محورياً في توحيد جهود دول المنطقة وتطوير آليات تعاون دفاعي أكثر فاعلية، على غرار نماذج التعاون العسكري الإقليمي التي أثبتت نجاحها في شمال أوروبا.
ولا يقتصر هذا التحول على إعادة تموضع المجر داخل المنظومة الغربية، بل يعكس أيضاً اتجاهاً أوروبياً أوسع نحو تقاسم أكبر للأعباء الدفاعية مع الولايات المتحدة، بما يحقق توازناً جديداً في العلاقات عبر الأطلسي.
دور أوروبي أكبر
فواشنطن تواصل تأكيد أهمية اضطلاع الدول الأوروبية بدور أكبر في حماية أمنها، في حين تسعى أوروبا إلى تعزيز استقلالها الاستراتيجي دون المساس بالشراكة مع الولايات المتحدة أو الالتزامات داخل حلف الناتو.
وفي حال نجاح بودابست في ترسيخ هذا النهج، فإنها قد تتحول من دولة كانت تُتهم بتعطيل الإجماع الأوروبي إلى شريك فاعل في إعادة صياغة منظومة الأمن في وسط القارة.
كما قد يسهم هذا التحول في تعزيز قدرة أوروبا على مواجهة التحديات المستقبلية، من خلال بناء شبكة دفاعية أكثر تماسكاً، تجمع بين الاستقلالية الأوروبية واستمرار الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، بما يرسخ معادلة جديدة للأمن الجماعي في مرحلة تتسم بتسارع التحولات الجيوسياسية.
























