(عاد/ واشنطن) متابعات:
لم يعد أمن البحر الأحمر بالنسبة إلى المملكة العربية السعودية مجرد قضية تتعلق بحماية خطوط الملاحة أو تأمين صادرات النفط، بل أصبح جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي والاستقرار الاقتصادي العالمي. فالهجمات المتكررة التي تستهدف السفن التجارية، وما ترتب عليها من اضطراب في حركة التجارة الدولية، دفعت الرياض إلى الانتقال من سياسة إدارة الأزمات إلى البحث عن إطار جماعي دائم يضمن حماية أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
وفي هذا السياق، تقود المملكة مشاورات مع عدد من الدول لبحث إنشاء تحالف دولي جديد لتأمين الملاحة في البحر الأحمر، في خطوة تعكس إدراكاً متزايداً بأن التهديدات الراهنة تجاوزت حدود الأمن الإقليمي، وأصبحت تمس بصورة مباشرة أمن الطاقة العالمي واستقرار سلاسل الإمداد الدولية.
وبحسب مصادر مطلعة، لا تزال هذه المشاورات في مراحلها الأولى، ولم تُحسم بعد طبيعة التحالف أو الدول التي ستنضم إليه، إلا أن مجرد إطلاق هذا المسار يعكس تحولاً في المقاربة السعودية، من الاكتفاء بالتعامل مع كل حادثة بصورة منفردة إلى العمل على بناء منظومة أمنية متعددة الأطراف قادرة على توفير حماية مستدامة للملاحة الدولية.
التحالف المقترح لن يقتصر على تسيير قطع بحرية، وقد يتطور إلى منظومة أمنية متكاملة تشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية
ويأتي هذا التحرك في وقت دفعت فيه الهجمات الحوثية عدداً متزايداً من شركات الشحن العالمية إلى تحويل مسارات سفنها عبر رأس الرجاء الصالح، وهو ما أطال زمن الرحلات، ورفع تكاليف النقل والتأمين، وألقى بظلاله على أسعار السلع وحركة التجارة العالمية، في وقت لا يزال الاقتصاد الدولي يواجه تداعيات أزمات متلاحقة.
وتنظر السعودية إلى البحر الأحمر باعتباره امتداداً مباشراً لأمنها الوطني. فالمملكة تمتلك أحد أطول السواحل على هذا الممر البحري، وتعتمد بصورة متزايدة على موانئه في حركة التجارة والصادرات، كما ترتبط مشروعاتها الاقتصادية الكبرى، وفي مقدمتها “رؤية 2030″، بوجود بيئة بحرية مستقرة وآمنة تسمح باستمرار تدفق التجارة والاستثمارات دون اضطرابات.
لكن أهمية البحر الأحمر بالنسبة إلى الرياض تتجاوز الاعتبارات الاقتصادية. فهذا الممر أصبح خلال السنوات الأخيرة إحدى الساحات الرئيسية للصراع الإقليمي، بعد أن تحولت الهجمات على السفن إلى وسيلة للضغط السياسي والعسكري، بما يجعل أمن الملاحة جزءاً من معادلات الردع الإقليمي، وليس مجرد ملف بحري تقني.
ومن هنا، تسعى المملكة إلى نقل ملف أمن البحر الأحمر من منطق الاستجابة المؤقتة إلى منطق الردع الوقائي، عبر تحالف دولي يوزع الأعباء الأمنية بين القوى المعنية، ويحول حماية الممرات البحرية إلى مسؤولية جماعية، بدلا من بقائها رهنا بمبادرات منفردة أو عمليات عسكرية محدودة زمنيا.
ويرى مراقبون أن التحالف المقترح لن يقتصر على تسيير قطع بحرية إضافية، وإنما قد يتطور إلى منظومة أمنية متكاملة تشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية في الزمن الحقيقي، وتعزيز قدرات الإنذار المبكر، وتنسيق الدوريات البحرية، ومرافقة السفن التجارية في المناطق عالية الخطورة، إضافة إلى استخدام تقنيات المراقبة الفضائية والطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي لرصد التهديدات قبل تحولها إلى هجمات فعلية.
ويعكس هذا التصور قناعة متزايدة بأن طبيعة التهديد تغيرت جذرياً. فالخطر لم يعد يتمثل في أعمال القرصنة التقليدية، كما كان الحال في خليج عدن قبل سنوات، وإنما في هجمات تنفذها جماعة تمتلك صواريخ وطائرات مسيرة وزوارق مفخخة وألغاماً بحرية، وهو ما يجعل وسائل الردع التقليدية أقل فاعلية، ويفرض تطوير آليات أكثر تعقيداً تجمع بين العمل العسكري والتقني والاستخباراتي.
كما يبرز فارق آخر بين المبادرة السعودية الحالية والتحالفات البحرية السابقة، يتمثل في أن الهدف لم يعد حماية السفن بعد تعرضها للخطر، وإنما منع التهديد قبل وقوعه، وهو تحول يعكس انتقال التفكير الأمني من إدارة الأزمات إلى استباقها.
لا يبدو أن المبادرة السعودية تمثل استجابة ظرفية للهجمات الحوثية بقدر ما تعكس محاولة لإعادة هندسة منظومة الأمن البحري في البحر الأحمر على أسس أكثر استدامة
ويكتسب هذا التوجه أهمية إضافية إذا ما أخذ في الاعتبار أن نحو 12 في المئة من التجارة العالمية تمر عبر البحر الأحمر، إلى جانب نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز المتجهة إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية. وبالتالي فإن أي اضطراب طويل الأمد في هذا الممر لا ينعكس على الدول المطلة عليه فحسب، بل يمتد أثره إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.
كما أن المبادرة السعودية تحمل بعدا سياسيا واضحا، إذ تسعى الرياض إلى ترسيخ مبدأ أن أمن الممرات البحرية مسؤولية دولية مشتركة، وأن حماية التجارة العالمية لا يمكن أن تظل رهينة حسابات الفاعلين غير الدولتيين أو التوترات الإقليمية. وهذا الطرح يمنح المملكة موقعا محوريا في إعادة صياغة منظومة الأمن البحري في المنطقة، باعتبارها الدولة الأكثر ارتباطا باستقرار البحر الأحمر اقتصاديا وإستراتيجيا.
ويرى محللون أن فرص نجاح أي تحالف جديد ستعتمد على عاملين رئيسيين. الأول هو حجم المشاركة الدولية، ولاسيما من القوى البحرية الكبرى والدول المطلة على البحر الأحمر، لأن اتساع قاعدة المشاركين يمنح المبادرة شرعية أكبر وقدرة أعلى على توزيع الأعباء. أما العامل الثاني فيتعلق بوجود رؤية موحدة لطبيعة التهديد وآليات التعامل معه، بحيث لا يقتصر دور التحالف على حماية السفن أثناء عبورها، بل يمتد إلى بناء منظومة ردع تمنع تكرار الهجمات.
وفي الوقت نفسه، سيكون على أي تحالف محتمل تحقيق توازن دقيق بين الردع العسكري والحفاظ على حرية الملاحة. فالإفراط في عسكرة البحر الأحمر قد يرفع منسوب التوتر، بينما قد يؤدي الاكتفاء بالإجراءات الدفاعية المحدودة إلى استمرار استنزاف حركة التجارة العالمية.
وتنسجم هذه المشاورات مع سياسة سعودية أوسع تقوم على بناء شراكات أمنية متعددة الأطراف، تعزز الاستقرار الإقليمي من دون الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة. فقد حرصت الرياض خلال السنوات الأخيرة على الجمع بين الدبلوماسية والردع، وعلى توسيع شبكة التعاون مع القوى الدولية والإقليمية في الملفات المرتبطة بأمن الطاقة والممرات البحرية.
وفي النهاية، لا يبدو أن المبادرة السعودية تمثل استجابة ظرفية للهجمات الحوثية بقدر ما تعكس محاولة لإعادة هندسة منظومة الأمن البحري في البحر الأحمر على أسس أكثر استدامة. وإذا نجحت هذه الجهود في تحويل التوافق السياسي إلى آليات تنفيذية فعالة، فقد يصبح البحر الأحمر نموذجا جديدا للأمن الجماعي في المنطقة. أما إذا بقيت المبادرة عند حدود المشاورات، فإن الممر سيظل عرضة لدورات متكررة من التوتر، بما يحمله ذلك من مخاطر على التجارة الدولية وأمن الطاقة والاقتصاد العالمي.

























