(عاد/ موسكو) متابعات:
قدمت المخرجة والناشطة الإيرانية بيغاه أهانغاراني فيلمها الوثائقي “بروفات من أجل ثورة” أو (تمرین هایی برای يك انقلاب)، في مهرجان كان السينمائي التاسع والسبعين، والذي تستكشف فيه أربعين عاما من المقاومة والنضال من أجل الحرية في إيران.
من خلال المواد الأرشيفية الخاصة والشهادات من البيئة العائلية، تبني المخرجة أهانغاراني قصة تربط الماضي بواقع البلاد المضطرب الحالي. يشكل الفيلم الوثائقي خمس صور لأفراد العائلة، ويمثل تعبيرات مختلفة عن المقاومة المدنية. من بداية النظام الإسلامي في عام 1979 حتى أحداث هذا العام والحرب الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة، تصف أهانغاراني عملها بأنه عملية استعادة الذاكرة حيث تكشف ذكريات الطفولة في وضع الصراع بين الأجيال في منظور مختلف. وفقا لتصور المخرجة، كان لا بد من إصدار الفيلم الآن حتى يتمكن الجمهور من فهم عمق الاضطرابات التي تمر بها أمتها.
وعلى الرغم من تصوير ما يعرفه الفيلم بـ”الثورات الفاشلة”، تؤكد المخرجة أن النغمة العامة للفيلم هي الأمل، حيث لم يقلل الفشل المتكرر من روح القتال في مجتمع يستمر في العودة إلى الشوارع للمطالبة بحقوقه.
في سيناريو الحرب الحالية، تقدم المخرجة رؤيا خاصة تؤكد فيها أن “الحل الحقيقي لن يأتي من التدخل الخارجي، بل من ثورة لشعب تم إسكاته تاريخيا من قبل هياكل السلطة القمعية”.
بنت المخرجة سرد الفيلم من خلال هيكلية على شكل يوميات حميمة (مقسمة إلى فصول وهي نفسها ترويها في التعليق الصوتي)، هكذا ينقل “بروفات من أجل ثورة” الإلحاح والحس والحزن، حتى في الأسابيع الأولى من الحرب مع إسرائيل والولايات المتحدة، من خلال خمس صور شخصية لأحباء المخرجة، كل واحدة منها تمثل شخصية مقاومة للنظام الدكتاتوري في بلادها، ومع مواد أرشيفية تتراوح بين صور احتجاجات الشوارع والقمع إلى أفلام عائلية منزلية، وتسجيلات تم التقاطها بالهواتف المحمولة، والصور الفوتوغرافية، والصوتيات والرسوم المتحركة. هكذا تعيد أهانغاراني بناء ما يقرب من نصف قرن من حياة عائلتها (والدها، صانع أفلام وجندي متطوع في حرب إيران مع العراق)، معلم الأدب الذي أجبر ظلما على مغادرة البلاد، طالب قتل خلال قمع حكومة محمد خاتمي، مع تجاربها الشخصية، وهو أيضا تاريخ إيران، من ثورة 1979 إلى كارثة الحرب التي اندلعت منذ عدة أشهر.
مخرجة تركز على العائلة والمرأة الإيرانية وجهودها الثورية ضد الطغيان الموجود داخل إيران من قبل الثورة إلى اليوم
لا تراقب أهانغاراني تاريخ بلادها من الخارج، بل من سلسلة من الروابط العائلية، والجراح الموروثة، والقرارات الحميمة التي ترتبط بالحركات السياسية الكبرى في إيران.
خصصت المخرجة الفصل الأول من الفيلم لوالدها، وجاء بعنوان “من أجل والدي”، حيث يتتبع خيبة أمل والدها جمشيد أهانغاراني. كان جمشيد مؤيدا متحمسا لثورة 1979 ومقاتلا في حرب إيران والعراق، وكان يعتقد في ذلك الوقت أن وصول آية الله الخميني إلى السلطة كان أفضل يوم في حياته، لكن رؤية الظلم والقمع والاضطهاد، من جهة، والإعدامات والاعتقالات السياسية التي نفذها النظام الإيراني من جهة أخرى غيرت آراءه السياسية، خاصة بعد اختفاء أحد أعمام المخرجة أهانغاراني. وكذلك شهد تحطم إيمانه السياسي بعد إعدام صديقه المقرب داود الذي اتهم بأعمال مضادة للثورة.
في الفصل الثاني توجه أهانغاراني نظرها إلى نفسها وهي تتذكر معلمة الأدب الخاصة بها شيرمين سراف في عرض مؤلم من النقد الذاتي، تتذكر المخرجة كيف أن تعليقاتها في طفولتها على حفلة خاصة ساهمت في فصل معلمتها ونفيها. كان ذلك الذنب نقطة تحول: تركت أهانغاراني المدرسة وبدأت مسيرتها كممثلة، غالبا ما أدت شخصيات متمردة تتوافق مع وعيها السياسي المتنامي.
تستمر في السرد من خلال عمها رشيد، طالب الصحافة الذي دعم فترة الإصلاح القصيرة للرئيس محمد خاتمي. تنتهي قصتهم بشكل مأساوي بعد المداهمة الوحشية التي استهدفت جامعة طهران عام 1999، وهي حلقة يعيد الفيلم بناءها من خلال مقاطع فيديو قاسية ومحببة لطلاب تعرضوا للضرب على يد الحرس الثوري.
الفصل الرابع يتناول النشاط المباشر لأهانغاراني خلال حركة الخضر عام 2009. من خلال لقطات الفيديو الخاصة بها، تلتقط المخرجة رعب رجال الشرطة وقسوتهم وهم يطلقون النار على المتظاهرين في ساحة الثورة والبحث اليائس عن أصدقائها وسط الفوضى. القسم الأخير، “من أجل ليلي”، يأخذ السرد إلى الحاضر: أهانغاراني المنفية في لندن، تثبت الفيلم على حاسوبها المحمول وتدمج مواد حديثة عن الحرب التي بدأت في 2026، مما يربط أرشيف العائلة بجروح جماعية جديدة. رغم ألم الحاضر، ينتهي الفيلم بصورة لابنتها، التي تعني نظرتها البريئة فرصة أمل للأجيال القادمة.
أهانغاراني الممثلة التي شاركت في أكثر من أربعين فيلما روائيا قبل أن تنتقل إلى الإخراج، صورت معاناة الإيرانيين في الفيلم الوثائقي المشترك الإسباني – التشيكي “بروفات من أجل ثورة”، وصنعت فسيفساء زمنية للحركات الاجتماعية والسياسية في التاريخ الإيراني الحديث، تنتقل من الحميمية الذاتية إلى العام.
أول فيلم وثائقي طويل لأهانغاراني هو أكثر من مجرد درس تاريخي. إنه اعتراف وتحقيق حميمي وفعل مقاومة. العنوان نفسه يلخص فلسفتها: كل حركة فاشلة لا تبدو كهزيمة حاسمة، بل كـ”بروفة” لوعي أوسع؛ كما أوضحت المخرجة أهانغاراني في مقابلات خلال المهرجان، حيث قالت “رغم أن الشعب الإيراني واجه قرنا من القمع، إلا أنه يحتفظ بروح قتالية ترفض أن تنكسر”.
وتضيف قائلة “هناك عائلات لديها قصص أكثر مأساوية وتعقيدا، أعرف أمهات فقدن ابنا واحدا في الحرب والآخر أعدم على يد النظام في نفس الوقت”.
تركز المخرجة على سرد قصص متعددة تنقسم إلى ثلاث فئات رئيسية: من سبقوها (مثل والدها وأعمامها)، ومن جاءوا بعدها (مثل ابنتها الصغيرة)، ونفسها، حيث نسجت عدة وجهات نظر لتشكل صورة معقدة لماضي إيران. والنتيجة هي دراسة أكثر تأملا للاضطرابات السياسية والثقافية، مع التركيز على سلسلة من اللحظات المترابطة التي تشكل تيارا مستمرا من التعليقات التاريخية، بدلا من أحداث فردية ومعزولة.
“بروفات من أجل ثورة” وثيقة تاريخية واستعراض هادئ ومدمر لتاريخ إيران منذ السبعينات، يترك المشاهد متحمسا ومطلعا تماما على الصراع المؤلم للأمة وشعبها، ويمثل الفيلم عملا حقيقيا من المقاومة، حيث تبقى السينما الإيرانية انعكاسا لواقع شعبها، بالإضافة إلى النظر إلى مستقبل محتمل أكثر إشراقا للجيل القادم.
يذكر أن المخرجة بيغاه أهانغاراني حكم عليها بالسجن ثمانية عشر شهرا عام 2013، وأصبحت لاجئة في المملكة المتحدة منذ 2022، وهذا مصير جيل كامل من الفنانين في إيران. ولذلك، في فيلمها الروائي الأول هي تركز على العائلة والمرأة الإيرانية وجهودها الثورية ضد الطغيان الموجود داخل إيران من قبل الثورة إلى اليوم.

























