“صرخة المودعين” تحرق صمت البنوك في لبنان

2026/07/29م

(عاد/ بيروت) متابعات:

جدد أصحاب الودائع المالية في لبنان تحركاتهم الاحتجاجية أمام مقرات البنوك الرئيسية للمطالبة باستعادة أموالهم المحتجزة منذ اندلاع الأزمة المالية.

وشهدت منطقة سن الفيل والمكلس شمال العاصمة بيروت أحداثا متسارعة، إذ أقدم عشرات المودعين على إضرام النيران وتحطيم الواجهات الزجاجية لعدد من الفروع المصرفية، تعبيرا عن سخطهم الشديد من غياب الحلول الجذرية لقضيتهم.

وتأتي هذه التحركات الميدانية تلبية لدعوات أطلقتها جمعية “صرخة المودعين” للضغط على الجهات المعنية وإجبار البنوك على رفع القيود القاسية والقائمة منذ سنوات.

وتشير التطورات الميدانية إلى أن الغضب الشعبي بلغ مستويات غير مسبوقة بعدما استنفد المواطنون كافة الطرق القانونية والدبلوماسية دون جدوى، مما دفع المحتجين إلى استخدام وسائل التصعيد لإيصال صوتهم والتعبير عن المعاناة المستمرة التي يعيشونها يومياً.

وعمد المحتجون إلى إحراق الإطارات المطاطية أمام المداخل الرئيسية لبنك بيبلوس والبنك اللبناني الفرنسي وبنك بيروت، مما أدى إلى تصاعد ألسنة الدخان وإحداث حالة من الاستنفار الأمني، واستدعى ذلك تدخل فرق الإطفاء والقوى الأمنية للسيطرة على الحرائق المشتعلة وحماية الممتلكات.

وتؤكد البيانات الصادرة عن ممثلي المودعين أن التحركات السلمية والقانونية تشكل السلاح الأساسي للمطالبة بالعدالة، لكن المودعين يرفضون القبول بأي إجراءات مستقبلية تمس حقوقهم المكتسبة أو تفرغ جنى عمرهم من قيمته الحقيقية.

ممثلو المودعين يؤكدون استمرارهم في التظاهر والتصعيد حتى تلبية المطالب العادلة كاملة غير منقوصة

وتزداد شدة الاحتقان الاجتماعي في ظل تكرار هذه المواجهات الميدانية وتوسع رقعتها لتشمل مناطق جغرافية متفرقة، حيث يعبر المحتجون عن رفضهم القاطع لسياسة المماطلة التي تتبعها الأجهزة المصرفية والجهات الحكومية المتعاقبة.

وتعود جذور هذه الأزمة المعقدة إلى خريف عام ألفين وتسعة عشر، عندما فرضت المصارف اللبنانية قيوداً مشددة وغير معلنة على حركة رؤوس الأموال والسحوبات النقدية بالعملات الأجنبية، وخصوصاً الدولار، للحد من خروج السيولة إلى الخارج.

وترافقت هذه القيود المصرفية التعسفية مع تحديد سقوف مشددة لسحب الأموال بالليرة اللبنانية، مما أدخل البلاد في نفق مظلم من الأزمات المركبة والمتلاحقة. ويتعرض الاقتصاد اللبناني لموجة انكماش حادة بلغت نحو أربعين في المئة وفق تقارير ومؤشرات صندوق النقد الدولي، فضلاً عن فقدان العملة الوطنية لأكثر من ثمانية وتسعين في المئة من قيمتها الشرائية والتاريخية أمام الدولار.

ويسجل التضخم المالي معدلات قياسية غير مسبوقة أثرت بشكل مباشر على قدرة المواطنين الشرائية وجعلت تأمين الاحتياجات الأساسية أمرا حرجا وصعبا للغاية.

وتعكس الوقائع الميدانية حجم المأساة التي كابدتها الطبقات الوسطى والفقيرة في المجتمع اللبناني، حيث توقفت قدرة الأسر على تلبية متطلبات الحياة اليومية الشاقة وتأمين الرعاية الصحية والتعليم لأبنائهم.

ويتخوف المراقبون الاقتصاديون من استمرار هذا الانسداد السياسي والاقتصادي، مشيرين إلى أن غياب خطط التعافي المالي الشاملة يؤدي حتماً إلى الانفلات الاجتماعي الشامل وتفاقم الأحداث الميدانية.

وتستمر الدعوات للعمل على إقرار قوانين إصلاحية تنظم عملية إعادة هيكلة القطاع المصرفي وضمان حقوق صغار وكبار المودعين دون استثناء، تجنبا للمزيد من تدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية. وتتطلب المرحلة الحالية اتخاذ خطوات شجاعة وسريعة تشمل توفير السيولة وتطبيق معايير الشفافية الدولية لإعادة الثقة المفقودة بين المواطن والمؤسسات المالية الرسمية.

ويرى خبراء المال والاقتصاد أن تفاقم ظاهرة اقتحام المصارف وإشعال النيران أمامها يتطلب تدخلا عاجلا وحاسما من السلطات التشريعية والتنفيذية لسن تشريعات واضحة تكفل حماية الحقوق وتحدد المسؤوليات بدقة.

ويتطلع الشارع اللبناني بكثير من القلق والترقب إلى ما ستؤول إليه التحركات القادمة، خاصة مع تأكيد ممثلي المودعين استمرارهم في التظاهر والتصعيد حتى تحقيق المطالب العادلة كاملة غير منقوصة. ويظل الوضع الراهن مفتوحاً على كل الاحتمالات والتطورات الميدانية، طالما بقيت الحلول غائبة والمماطلات قائمة دون معالجة جذرية تحمي حقوق أصحاب الودائع وتنقذ الاقتصاد الوطني من الانهيار النهائي.

اضف تعليقك