(عاد/ موسكو) متابعات:
اااشنت الولايات المتحدة والسعودية، الأربعاء، ضربات جوية مشتركة استهدفت مواقع تابعة لميليشيات عراقية موالية لإيران في شرق العراق، بعد ساعات من هجمات بطائرات مسيرة استهدفت منشآت نفطية سعودية، في تطور ينذر بتوسيع رقعة المواجهة الإقليمية ونقلها بصورة مباشرة إلى الساحة العراقية.
وبينما أكدت واشنطن والرياض أن الضربات جاءت ردا على هجمات انطلقت من الأراضي العراقية، نفت طهران أي صلة لها بتلك العمليات، محذرة من أن تحميلها المسؤولية يمثل “خطأ كبيرا في التقدير”، في وقت تتواصل فيه المواجهة في مضيق هرمز وتتعثر جهود الوساطة العمانية لاحتواء الأزمة.
ولم تعد الضربات الأميركية السعودية مجرد رد تكتيكي على هجوم بطائرات مسيرة استهدف البنية التحتية النفطية السعودية، بل تعكس تحولا في قواعد الاشتباك مع إيران، يقوم على استهداف الأذرع المسلحة التي تنفذ الهجمات بدلا من الاكتفاء بردع طهران سياسيا أو عسكريا بصورة غير مباشرة.
ويشير هذا التحول إلى أن العراق بات ساحة مركزية في الصراع، بعد أن ظل لسنوات منصة تنطلق منها الفصائل الولائية لتنفيذ عمليات ضد المصالح الأميركية أو الخليجية.
وأكدت القيادة المركزية الأميركية ووزارة الدفاع السعودية أن الغارات استهدفت مواقع استخدمت لتخطيط وإطلاق هجمات بالطائرات المسيرة على المنشآت النفطية السعودية، مشددتين على أن العملية جاءت في إطار الدفاع عن النفس وحماية أمن الطاقة الإقليمي، وأنها لا تستهدف التصعيد بقدر ما تهدف إلى منع تكرار الهجمات.
وفي المقابل، أعلنت قوات الحشد الشعبي أن عددا من مقراتها الرسمية تعرض لغارات أسفرت، بحسب حصيلة أولية، عن سقوط قتلى وجرحى وإلحاق أضرار واسعة بالمباني والمنشآت، معتبرة أن الهجمات تمثل اعتداء على السيادة العراقية، وهو ما يضع الحكومة العراقية أمام تحد جديد يتمثل في كيفية التعامل مع تصاعد المواجهة على أراضيها.
وتأتي هذه التطورات بعد ساعات من إعلان السعودية اعتراض وتدمير عدة طائرات مسيرة استهدفت منشآت نفطية في المنطقة الشرقية، حيث اتهم المتحدث باسم وزارة الدفاع السعودية، العميد تركي المالكي، ميليشيات مدعومة من إيران بإطلاقها من داخل الأراضي العراقية، في اتهام يعزز القناعة لدى الرياض وواشنطن بأن الفصائل الولائية أصبحت تشكل خط المواجهة الأول في الاستراتيجية الإيرانية.
وفي الوقت نفسه، أعلنت القيادة المركزية الأميركية أن دفاعاتها الجوية أحبطت محاولة هجوم صاروخي إيراني على قواتها في المنطقة، فيما قال الحرس الثوري الإيراني إنه أطلق صواريخ باليستية على منشآت عسكرية أميركية في الأردن، في مؤشر على أن المواجهة تجاوزت حدود العراق والخليج لتشمل مسارح عمليات متعددة.
الضربات الأميركية السعودية تعكس تحولا في قواعد الاشتباك مع إيران، يقوم على استهداف الأذرع المسلحة التي تنفذ الهجمات بدلا من الاكتفاء بردع طهران سياسيا أو عسكريا بصورة غير مباشرة.
ورغم نفي مسؤول دفاعي إيراني أي علاقة لطهران بالهجمات التي استهدفت السعودية، فإن خطاب الحرس الثوري حمل رسالة مختلفة، إذ أكد أن “المقاومة ستستمر” طالما استمرت ما وصفه بالأعمال الأميركية غير القانونية ضد المصالح الإيرانية، وهو ما يعكس استمرار اعتماد إيران على شبكة حلفائها الإقليميين كجزء من استراتيجية الردع المتبادل.
ويبرز استهداف الميليشيات الولائية في العراق باعتباره تطورا نوعيا في مسار الصراع، إذ كانت واشنطن خلال السنوات الماضية تتجنب في كثير من الأحيان توجيه ضربات واسعة لهذه الفصائل خشية زعزعة الاستقرار العراقي أو دفع بغداد إلى اتخاذ مواقف أكثر تشددا تجاه الوجود العسكري الأميركي.
وأما اليوم، فيبدو أن الحسابات تغيرت، مع تزايد قناعة الولايات المتحدة والسعودية بأن استمرار هذه الجماعات في تنفيذ هجمات عبر الحدود يفرض معادلة ردع أكثر صرامة.
ويأتي هذا التصعيد بينما تشهد جبهة مضيق هرمز توترا متزايدا، بعدما أعلن الحرس الثوري احتجاز ثلاث ناقلات نفط بدعوى مخالفتها تعليمات الملاحة، مؤكدا فرض “سيطرة كاملة” على الممر البحري الاستراتيجي.
ويعني ذلك أن إيران تواصل استخدام ورقة المضيق بالتوازي مع تفعيل أدواتها العسكرية في العراق، في محاولة للحفاظ على أوراق ضغط متعددة في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها.
وفي هذا السياق، تواجه المبادرة العمانية لإدارة مضيق هرمز اختبارا بالغ الصعوبة. فالخطة التي طرحتها مسقط، والمدعومة من دول خليجية، تقوم على إدارة مشتركة للممر الملاحي مع اعتماد مساهمات طوعية من السفن لتمويل خدمات الملاحة والإنقاذ، بما يمنع احتكار إيران السيطرة على المضيق. إلا أن واشنطن أبدت تحفظا واضحا على أي ترتيبات قد تفسر باعتبارها اعترافا بدور إيراني في فرض قيود أو رسوم على الملاحة الدولية.
واقتصاديا، انعكس التصعيد العسكري سريعا على الأسواق، إذ ارتفعت أسعار النفط بأكثر من ثلاثة دولارات للبرميل، وسط مخاوف المستثمرين من اتساع نطاق المواجهة وتهديد خطوط إمدادات الطاقة العالمية، خاصة مع استمرار التوتر في هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز العالمية.
وتشير مجمل التطورات إلى أن المواجهة دخلت مرحلة جديدة تتداخل فيها الجبهات العسكرية من العراق إلى الأردن والخليج ومضيق هرمز، بينما تتراجع فرص تثبيت التهدئة التي أعقبت وقف حملة القصف الأميركية قبل أسابيع. كما أن استهداف الميليشيات الولائية مباشرة يرسل رسالة بأن واشنطن والرياض لم تعودا تفصلان بين إيران وأذرعها الإقليمية، وهو تحول قد يدفع الفصائل العراقية إلى تصعيد عملياتها، بما ينذر بتحويل العراق إلى الساحة الأكثر اشتعالا في الصراع الإقليمي خلال المرحلة المقبلة.

























