(عاد/ موسكو) متابعات:
منعطف جديد تدخله الاحتجاجات في غرب ليبيا مع إقفال خطوط غاز تغذي محطات إنتاج الكهرباء، ما وضع البلد بأكمله لساعات بمواجهة شبح العتمة.
ورغم إعلان الشركة العامة للكهرباء لاحقا استئناف العمل بمجمع مليتة الصناعي وبدء عودة إمدادات الغاز الطبيعي إلى محطات التوليد، فإن المشهد العام في الغرب الليبي وفي طرابلس بشكل خاص لا يزال ينبض على وقع رمال متحركة تهدد بالتصعيد في كل ثانية.
شبح العتمة
في بيان أصدرته صباح الثلاثاء، قالت الشركة التي تتخذ من طرابلس مقرا لها وتغذي كامل ليبيا بالكهرباء، إن محتجين اقتحموا مقر المجمع النفطي في مليتة بالعاصمة، وأقفلوا خطوط الغاز التي تؤمن إمداد محطات إنتاج الكهرباء، ما هدد بانهيار الشبكة.
وفي حال استمر الإغلاق وانهيار الشبكة، كان ذلك سيعني أن تغرق ليبيا بأكملها في ظلام دامس، وسط مخاطر أمنية عالية تهدد بلدا مضطربا وتطوقه التحديات من كل جانب.
لكن الشركة عادت بعد ساعات لتعلن استئناف العمل بمجمع مليتة وبدء عودة إمدادات الغاز الطبيعي إلى محطات التوليد، لتبدأ الشبكة الكهربائية مرحلة العودة التدريجية إلى أوضاعها التشغيلية الطبيعية.
وفي بيان لها، أوضحت الشركة أن الشبكة كانت على أعتاب مرحلة من التحسن التدريجي نتيجة الجهود الفنية والتشغيلية المتواصلة التي بذلتها فرقها طوال الأسابيع الماضية لمعالجة تداعيات الأزمة والحفاظ على استقرار المنظومة الكهربائية، إلا أن الحدث المفاجئ هذا اليوم أدى إلى تعطيل هذا التحسن بصورة مؤقتة.
وأكد البيان أن المؤشرات التشغيلية الحالية تبعث على التفاؤل، وأن الأزمة بشكل عام تسير في طريقها إلى الانفراج التدريجي، مع استمرار عودة وحدات التوليد إلى الخدمة وتحسن أداء الشبكة الكهربائية.
وبحسب المصدر نفسه، جددت الشركة دعوتها إلى ضرورة تحييد المؤسسات والمنشآت الحيوية عن أي تجاذبات أو ممارسات قد تؤثر على الخدمات الأساسية، حفاظا على مصالح المواطنين وضمانا لاستمرار المرافق العامة في أداء مهامها.
الحكومة تكسر صمتها
وبعد يومين من الاحتجاجات التي شملت خصوصا مناطق سوق الجمعة (شرقي طرابلس) وتاجوراء (على بعد 21 كيلومترا من وسط العاصمة) وجنزور (غرب العاصمة)، كسرت حكومة الوحدة الوطنية صمتها وأصدرت بيانا أعلنت فيه تأمين المجمع واستئناف ضخ الغاز إلى محطات توليد الكهرباء.
وفي بيانها، أوضحت الحكومة أن الخطوة جاءت عقب تكليف قوات من وزارة الدفاع ورئاسة الأركان العامة بالتدخل لتأمين المجمع، مشيرة إلى أنها تستهدف «ضمان سلامة العاملين، واستعادة إمدادات الغاز اللازمة لتشغيل محطات الكهرباء، تمهيدا لإعادة التيار الكهربائي تدريجيا واستقرار الشبكة العامة».
من جهته، أصدر رئيس حكومة «الوحدة» عبدالحميد الدبيبة تعليمات إلى وزارة الدفاع ورئاسة الأركان العامة بالتحرك الفوري لبسط السيطرة الكاملة على المجمع وتأمينه وإعادة فتح خطوط الغاز المغذية لمحطات إنتاج الكهرباء.
وتأتي الاحتجاجات التي تشهدها مناطق بالغرب الليبي في ظل انقطاعات متكررة للكهرباء تصل إلى 10 ساعات يوميا وقد تتجاوزها، في إجراءات أثارت موجة واسعة من الاستياء الشعبي لتزامنها مع ارتفاع قياسي لدرجات الحرارة ومعه معدلات استهلاك الطاقة الحيوية.
ومع أن تخفيف الأحمال لا تعتبر سياسة مستجدة في ليبيا، لكن تزامنها هذه المرة مع أزمة معيشية يشهدها المواطن الليبي في ظل أوضاع صعبة تتسم بارتفاع الأسعار، أشعل انقطاع الكهرباء فتيل الغضب ودفع قسما من المواطنين للخروج إلى الشارع اعتبارا من مساء الأحد، لتتواصل الاحتجاجات، وإن كان بنسق متقطع، لليوم الثاني على التوالي.
بين كر وفر
وفي تعقيبه على التطورات الحاصلة في الغرب الليبي، أشار المحلل السياسي أيوب الأوجلي إلى «اتساع رقعة الاحتجاجات الشعبية»، متحدثا بشكل خاص «عما حصل اليوم من إغلاق مجمع مليتة النفطي والتهديد بقطع إمدادات الغاز».
وفي حديث لـ«العين الإخبارية»، يقول الأوجلي: «صحيح أن هذه الاحتجاجات مدفوعة بسوء الخدمات وتردي الأوضاع خاصة في ما يتعلق بالكهرباء، ولكن ما حدث اليوم من قبل المتظاهرين هو أمر خارج النص».
وفي تقديره، فإن «بعض المتظاهرين إما أنهم سيذهبون باتجاه تصعيد غير مبرر ودون أي نية مسبقة ولكن مدفوعين بغضب شعبي وغير ذلك من المطالب والأمور دون إدراك منهم لعواقب ذلك».
وإما أنهم «مدفوعون بأجندات تحركهم في محاولة لإسقاط حكومة الوحدة خاصة من قبل الأطراف الرافضة لمبادرة المبعوث الأمريكي مسعد بولس».
وبحسب الخبير الليبي، «نحن نعلم أن هناك العديد من الأصوات الرافضة لهذه المبادرة في غرب ليبيا، وأعتقد أن المتظاهرين يجب أن يكونوا حذرين من أن ينجروا خلف هذه السياقات السياسية ومن أن يتم استغلالهم للإطاحة بالحكومة لتعطيل أي توافق سياسي قد يحدث في المستقبل القريب».
والمبادرة الأمريكية لتسوية الأزمة الليبية، يقودها المستشار الأمريكي لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط مسعد بولس، ولاقت تأييدا من حكومة الشرق.
وترتكز على توحيد الحكومة والمؤسسات السيادية، وضمان استقرار قطاع النفط، وتشجيع الاستثمارات الأمريكية، بالتوازي مع بناء قنوات تعاون بين القيادات العسكرية والأمنية في الشرق والغرب.
وللخبير مؤاخذات على حكومة «الوحدة»، من ذلك «عدم وجود موقف رسمي من هذه الاحتجاجات رغم ما يعيشه الليبيون من انقطاعات متكررة للكهرباء وما يتبع ذلك من ترد كبير في الخدمات وعلى رأسها المياه».
وعرج الأوجلي أيضا في حديثه إلى بداية المظاهرات والحراك الذي قال إنه «ظهر في سوق الجمعة (بطرابلس) وقيل إنه يمكن أن يكون مدفوعا ببعض الأجندات السياسية».
واعتبر أن هذا الحراك «غير منظم وسانده بعض الأشخاص بدافع تغيير الأمر الواقع فقط ولكن في نهاية المطاف أعتقد أن هناك جهات أخرى بدأت تستغل هذا الحراك لتحقيق بعض المصالح الشخصية السياسية».
وفي تعقيبه، شدد الناطق باسم «حراك سوق الجمعة» أبوبكر مروان، في تصريح مقتضب لـ«العين الإخبارية»، على أن الحراك «لا يهدف إلا لتحسين الأوضاع المعيشية للمواطن الليبي».
الوضع إلى أين؟
الأوجلي يعتقد أن الوضع بشكل عام يمضي حاليا نحو التهدئة، «لكن في حال استمرار الأوضاع على ما هي عليه، فأعتقد أن رقعة الاحتجاجات ستتوسع خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة والمشاكل المتراكمة التي تعاني منها شبكة الكهرباء وكثرة الضغوطات على المواطنين».
ويرجح الخبير أن تدفع هذه العوامل الاحتجاجات للتمدد وربما الذهاب إلى أبعد من مسألة عصيان مدني وإغلاق بعض المقار ببعض الأعمال التخريبية احتمالا والضغط بشكل أكبر على الحكومة لتسليم السلطة والتنحي.
وفي استشرافه لملامح المشهد القادم، يقدر الأوجلي أن يكون للدبيبة ظهور قريب في محاولة لتهدئة الشارع في طرابلس وغرب ليبيا، مقابل بعض التحركات السياسية الأخرى التي قد تطغى على المشهد الليبي بالأيام المقبلة.
الظلام.. من الغرب إلى الشرق
من جهته، يقول الدكتور زياد علي سلطان، منسق فريق «الحوار والمصالح السياسي» في ليبيا، إن «الاحتجاجات التي اندلعت باليومين الماضيين كانت نتيجة لانقطاع الكهرباء بشكل مستمر الأمر الذي أدى إلى حالة من الغليان بالشارع الليبي».
وفي استعراضه لمظاهر الاحتقان الشعبي، أوضح سلطان، في حديث لـ«العين الإخبارية»، أنه «تم إغلاق بعض الطرق ووزارة الخارجية (التابعة لحكومة الوحدة في طرابلس) وبعض المجالس البلدية، في دعوة للعصيان المدني».
ومستدركا: «لكن لم يحدث أي اشتباك مع عناصر الأمن حيث اقتصر الأمر على حرق الإطارات وإغلاق الطرقات».
وبخصوص خريطة الانقطاعات، أشار سلطان إلى أن الأزمة شملت أجزاء واسعة من ليبيا في المنطقتين الشرقية والغربية، أما بالنسبة للمنطقة الجنوبية فكان لها نصيب الأسد حيث تصل مدة الانقطاع فيها إلى أكثر من 12 ساعة متواصلة، بالإضافة إلى استمرار أزمة الوقود.
ويتابع: «تصاعدت الأزمة في المنطقة (الغرب) وأصبح هناك انقطاع في التيار الكهربائي واستمر بالارتفاع في عدد الساعات تدريجيا إلى أن وصلنا إلى حالة الظلام الكامل الأمر الذي أدى إلى معاناة الشعب خصوصا في ظل ارتفاع درجات حرارة بشكل كبير».

























