(عاد/ واشنطن) متابعات:
كشف تحقيق موسع أجرته صحيفة نيويورك تايمز عن أن سعي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتشغيل طائرة رئاسية جديدة، بعد حصول الولايات المتحدة على طائرة “بوينغ 747-8” من قطر، أدى إلى سباق محموم داخل البيت الأبيض ووزارة الدفاع لتجهيزها في وقت قياسي.
وبحسب تقرير صحيفة نيويورك تايمز، فقد تسبب ذلك في ارتفاع كبير في التكاليف المالية، وأفضى إلى تنازلات اعتبرها خبراء الطيران ومسؤولون عسكريون مساساً بمعايير الأمن والسلامة المعتمدة للطائرات الرئاسية الأمريكية، بما قد يضاعف المخاطر التي قد يتعرض لها الرئيس ومرافقوه خلال المهمات الرسمية.
ووفقاً للتحقيق، بدأت القصة بعد أسابيع قليلة من بدء الولاية الثانية لترامب، عندما نُقلت الطائرة القطرية إلى مطار بالم بيتش ليطلع عليها الرئيس شخصياً.
وقد لفتت الطائرة انتباهه بما تضمه من تجهيزات فاخرة تعكس مستوى الطائرات المخصصة لكبار قادة الدول، إذ تضم أجنحة للنوم بتشطيبات من الجلد والخشب الفاخر، وصالات استقبال مزودة بثريات ومقاعد فاخرة، وهو ما دفع ترامب إلى المطالبة بتسريع عملية تحويلها إلى طائرة رئاسية جديدة لتكون جاهزة خلال احتفالات الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة.
وأظهر التحقيق أن الرئيس تابع بنفسه تفاصيل مشروع التحديث، وشارك في اعتماد التصاميم الداخلية وبعض ترتيبات التجهيزات الأمنية، معبراً عن استيائه من استمرار استخدام الطائرات الرئاسية القديمة التي دخلت الخدمة منذ عقود.
ونقل التقرير عنه قوله إن الطائرة الرئاسية الأمريكية تبدو متقادمة مقارنة بالطائرات الحديثة التي تستخدمها دول أخرى مؤكداً أن الولايات المتحدة يجب أن تمتلك الطائرة الرئاسية الأكثر تطوراً وإبهاراً في العالم.
ولتحقيق هذا الهدف، طلب البيت الأبيض من القوات الجوية الأمريكية إعداد خطة عاجلة لتسريع أعمال التحديث، بعدما تأخر برنامج استبدال الطائرات الرئاسية الجديدة المصنعة لدى شركة بوينغ سنوات عدة عن الجدول الزمني المحدد.
وبينما كانت التقديرات الأولية تشير إلى أن عملية التحويل ستستغرق ما بين 18 و24 شهراً، تعرض المشروع لضغوط مكثفة أدت إلى تقليص المدة إلى نحو ثمانية أشهر فقط، وهو إطار زمني وصفه مختصون بأنه غير كافٍ لإجراء تعديلات بهذا الحجم على طائرة معقدة مثل “بوينغ 747-8”.
غياب أنظمة حماية حيوية وموافقات استثنائية
أفادت الوثائق والصور التي اطلعت عليها الصحيفة بأن الطائرة المعدلة تفتقر إلى عدد من أنظمة الحماية التي ظلت جزءاً أساسياً من تجهيزات الطائرات الرئاسية الأمريكية لعقود.
أبرز التجهيزات التي غابت عن الطائرة الجديدة المدخل السفلي المزود بسلم مستقل، والذي يسمح بإجلاء الرئيس في الظروف الأمنية الحساسة دون الحاجة إلى الاعتماد على تجهيزات المطارات.
كما غاب عنها أيضا، منظومة الدفاع الصاروخي بالأشعة تحت الحمراء القادرة على رصد الصواريخ الموجهة والتشويش عليها، إضافة إلى عدم تزويد الطائرة بوحدة طاقة احتياطية مزدوجة توفر الكهرباء والهواء المضغوط اللازمين لتشغيل المحركات الأربعة بسرعة في حالات الطوارئ.
كما كشف التحقيق عن تحديات فنية أخرى تتعلق بالسلامة الهيكلية للطائرة، إذ تواجه طائرات “بوينغ 747-8” مشكلة معروفة تتمثل في تشققات تصيب بعض الدعامات الطولية للهيكل، وهي مشكلة صنفتها إدارة الطيران الفيدرالية منذ عام 2023 على أنها حالة غير آمنة قد تؤثر في السلامة الإنشائية للطائرة.
ولم يتضح ما إذا كانت أعمال الفحص والإصلاح الخاصة بهذه العيوب قد أُنجزت بالكامل ضمن الجدول الزمني المضغوط، خاصة أن اكتشاف بعضها يتطلب تفكيك أجزاء كبيرة من هيكل الطائرة.
وأشار التحقيق أيضاً إلى أن التصميم الداخلي غير التقليدي للطائرة فرض على المقاولين الحصول على استثناء خاص من إدارة الطيران الفيدرالية لتجاوز بعض معايير اختبارات التصادم الخاصة بالمقاعد، وهو إجراء استثنائي أثار تساؤلات بشأن مدى اكتمال اختبارات السلامة قبل دخول الطائرة الخدمة، لا سيما أن الموافقة صدرت قبل فترة وجيزة من أول رحلة رئاسية كان مقرراً أن يقوم بها ترامب على متنها.
فواتير باهظة وتمويل من ميزانية الأسلحة النووية
لم تقتصر تداعيات المشروع على الجوانب الفنية، بل امتدت إلى تكاليف مالية ضخمة تجاوزت بكثير الأرقام المعلنة. فإلى جانب نحو 400 مليون دولار خصصت لأعمال التعديل، أنفقت القوات الجوية مئات الملايين الإضافية لتوفير بنية دعم كاملة للمشروع، شملت استئجار طائرة شحن من طراز “بوينغ 747-8” لمدة خمسة أشهر لاستخدامها في التدريب، وشراء طائرتين أخريين من شركة لوفتهانزا، إحداهما لتدريب الأطقم والأخرى لتوفير قطع الغيار، بما رفع النفقات الإضافية إلى نحو 400 مليون دولار أخرى.
وخلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ، أقر وزير القوات الجوية تروي إي. مينك بأن الحكومة موّلت جانباً من المشروع عبر تحويل 934 مليون دولار من برنامج تحديث منظومة الصواريخ النووية “سنتينل”، وهو ما أثار انتقادات حادة داخل الكونغرس.
ووفقا للتقرير، اعتبر عدد من المشرعين أن تصنيف تفاصيل الإنفاق باعتبارها معلومات سرية بدعوى الأمن القومي يحجب الرقابة التشريعية على مشروع بلغت كلفته الإجمالية المقدرة لتحديث الأسطول الرئاسي نحو 5.1 مليار دولار، مع تأجيل استكمال البرنامج حتى عام 2028، أي بعد أكثر من عقد على انطلاقه.
اختبار حقيقي في تركيا يكشف مواطن الضعف
كشف التحقيق أن المخاوف الأمنية لم تظل نظرية، بل ظهرت عملياً خلال زيارة ترامب إلى تركيا مطلع يوليو/تموز لحضور قمة حلف شمال الأطلسي، إذ رصدت أجهزة الأمن تهديدات محتملة من جماعات مرتبطة بإيران بالتزامن مع تصاعد الضربات الأمريكية ضد أهداف إيرانية، الأمر الذي دفع فريق الحماية إلى تعديل خطة العودة، واستخدام الطائرة الرئاسية القديمة بدلاً من الطائرة القطرية التي كانت قد نُقلت مسبقاً إلى قاعدة ميلدنهال البريطانية.
واختتم التحقيق بالإشارة إلى أن البيت الأبيض أعلن مؤخراً سحب الطائرة القطرية مؤقتاً من الخدمة خلال الخريف المقبل لإجراء تحديثات وتحسينات إضافية لم يكشف عن طبيعتها، في خطوة اعتبرها خبراء ومسؤولون سابقون في برنامج الطائرة الرئاسية اعترافاً ضمنياً بأن أعمال التجهيز السريعة لم تستوف جميع متطلبات الأمن والسلامة.
ورأى هؤلاء أن التعجيل بإدخال الطائرة إلى الخدمة استجابة لرغبة الرئيس في امتلاك طائرة أكثر فخامة أوجد مخاطر لم يكن من الضروري تحملها، وأعاد فتح النقاش حول مدى التوازن بين الاعتبارات السياسية ومتطلبات حماية الرئيس الأمريكي في أكثر وسائل النقل حساسية في العالم.























