تقرير: كيف يمكن للولايات المتحدة عزل إيران؟

2026/07/23م

(عاد/ موسكو) متابعات:

تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة صياغة استراتيجيتها تجاه إيران عبر الانتقال من التركيز على الضربات العسكرية المباشرة إلى محاولة بناء منظومة ضغط شاملة تهدف إلى عزل طهران سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، في وقت بات فيه مضيق هرمز محور المواجهة الرئيسي بين البلدين، بعدما تحول إلى ورقة نفوذ تستخدمها إيران للتأثير على حركة التجارة العالمية وأسواق الطاقة.

وتواجه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تحدياً أساسياً يتمثل في تحديد أهداف واضحة للحرب مع إيران، إذ إن واشنطن دخلت المواجهة وهي تحمل أكثر من هدف، بين السعي إلى تقليص قدرات إيران العسكرية، ومنعها من تطوير برنامج نووي، والضغط على قيادتها السياسية. غير أن غياب الهدف المحدد جعل مسار الحرب أكثر تعقيداً، خصوصاً بعدما ردت طهران باستخدام مضيق هرمز كأداة استراتيجية للضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

وأصبح المضيق الذي تمر عبره نسبة كبيرة من إمدادات الطاقة العالمية في الحسابات الإيرانية أكثر من مجرد ممر بحري، إذ يمثل ورقة ضغط تمنح طهران قدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي وإجبار خصومها على التعامل معها كقوة لا يمكن تجاوزها.

ولهذا فإن إعادة فتح المضيق وضمان حرية الملاحة باتا من أبرز أولويات واشنطن، بعدما وجدت نفسها أمام معركة لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تمتد إلى الاقتصاد والطاقة والسياسة الدولية.

ويرى مراقبون أن الولايات المتحدة لن تتمكن من عزل إيران عبر القوة وحدها، رغم تفوقها العسكري الكبير، لأن طهران أثبتت خلال العقود الماضية قدرتها على الصمود أمام العقوبات والضغوط، كما طورت أدوات غير تقليدية تسمح لها بمواصلة تهديد خصومها، سواء عبر قدراتها الصاروخية والطائرات المسيرة أو من خلال حلفائها الإقليميين.

ويشكل الضغط الاقتصادي أحد أهم عناصر استراتيجية العزل الأميركية. فإعادة فرض الحصار على إيران تهدف إلى تقليص مواردها المالية وإضعاف قدرتها على تمويل أنشطتها العسكرية والإقليمية، في محاولة لدفع القيادة الإيرانية إلى مراجعة حساباتها والعودة إلى طاولة المفاوضات من موقع أكثر ضعفاً.

لكن هذا الخيار لا يخلو من المخاطر، إذ إن استمرار الضغط على صادرات الطاقة الإيرانية قد ينعكس على أسواق النفط العالمية، كما أن ارتفاع الأسعار والتضخم قد يمثلان عبئاً سياسياً واقتصادياً على واشنطن نفسها. إضافة إلى ذلك، فإن التجربة السابقة للعقوبات أظهرت أن إيران قادرة على تطوير مسارات بديلة للتعامل مع القيود الاقتصادية.

وأما الخيار العسكري، فيتمثل في محاولة إنهاء قدرة إيران على استخدام مضيق هرمز كورقة تهديد، عبر استهداف قدراتها الصاروخية ومنصات إطلاق الطائرات المسيرة والبنية العسكرية المرتبطة بالحرس الثوري. لكن تنفيذ مثل هذه الخطة قد يتطلب عمليات واسعة تحمل مخاطر كبيرة، من بينها سقوط خسائر بشرية أميركية، واحتمال توسع الصراع ليشمل قواعد أميركية ومنشآت طاقة في المنطقة.

استراتيجية عزل إيران تقوم التي تبحث عنها واشنطن على مزيج معقد من العقوبات والردع العسكري والتحرك الدبلوماسي. فالقوة وحدها قد لا تكون كافية لتغيير حسابات طهران، كما أن التفاوض دون ضغط قد لا يحقق أهداف الولايات المتحدة.

كما أن السيطرة العسكرية الكاملة على بيئة معقدة مثل مضيق هرمز ليست مهمة سهلة، إذ تمتلك إيران شبكة من القدرات المنتشرة والمحصنة، بما في ذلك منشآت تحت الأرض ومواقع يصعب استهدافها بشكل كامل. لذلك فإن أي حملة عسكرية قد تؤدي إلى إضعاف إيران دون ضمان إنهاء قدرتها على تهديد الملاحة.

ولهذا تراهن واشنطن على مسار ثالث يقوم على دمج القوة بالدبلوماسية، بحيث لا تستخدم الضغوط العسكرية والاقتصادية بشكل منفرد، بل ضمن تحرك دولي يهدف إلى إظهار إيران كطرف معزول في مواجهة المجتمع الدولي.

ويتمثل جوهر هذا الخيار في حشد دعم أوروبي وعربي لتأكيد أن مضيق هرمز ممر مائي دولي لا يخضع لسيطرة أي دولة، والعمل على إصدار قرارات دولية تمنح التحرك الأميركي شرعية أوسع.

كما تسعى واشنطن إلى التأثير على موقف الصين، التي تعتمد بشكل كبير على استقرار تدفقات الطاقة من الخليج، لإقناعها بعدم دعم أي خطوات إيرانية تهدد الملاحة.

وتدرك الولايات المتحدة أن عزل إيران لا يعني فقط قطع علاقاتها الخارجية، بل تقليص قدرتها على استخدام نفوذها الإقليمي كورقة تفاوض. فطهران بنت خلال سنوات شبكة واسعة من العلاقات مع حلفائها في المنطقة، وهو ما يمنحها قدرة على التأثير في ملفات متعددة تتجاوز حدودها الجغرافية.

لكن في المقابل، فإن استمرار الضغوط الاقتصادية والعسكرية قد يضع القيادة الإيرانية أمام تحديات داخلية متزايدة، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع تراجع الموارد المالية وارتفاع كلفة المواجهة. وقد يدفع هذا الوضع طهران في نهاية المطاف إلى البحث عن تسوية تضمن لها تخفيف الضغوط مقابل تقديم تنازلات في بعض الملفات.

وتقوم استراتيجية عزل إيران التي تبحث عنها واشنطن على مزيج معقد من العقوبات والردع العسكري والتحرك الدبلوماسي. فالقوة وحدها قد لا تكون كافية لتغيير حسابات طهران، كما أن التفاوض دون ضغط قد لا يحقق أهداف الولايات المتحدة.

وبين هذين المسارين، تحاول واشنطن صياغة معادلة جديدة تدفع إيران إلى التخلي عن استخدام الممرات البحرية والنفوذ الإقليمي كأدوات ضغط، وتفتح الطريق أمام اتفاق ينهي المواجهة بشروط أكثر ملاءمة للمصالح الأميركية.

اضف تعليقك