ارتباك في حركة الملاحة بالبحر الأحمر بسبب تهديدات الحوثي

2026/07/23م

(عاد/ واشنطن) متابعات:

بدأت التهديدات الأخيرة التي أطلقتها جماعة الحوثي اليمنية بفرض ما سمته “حظرا” على الملاحة البحرية السعودية تلقي بظلالها على حركة النقل البحري في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، لتفتح جبهة جديدة من الاضطراب في أحد أهم الممرات التجارية في العالم. ويأتي هذا التطور في وقت تعاني فيه الأسواق الدولية أصلا من تداعيات التوتر المتصاعد في الخليج العربي والصراع الأميركي – الإيراني حول مضيق هرمز، ما يضع تجارة الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية أمام مستوى جديد من المخاطر وعدم اليقين.

ولا تبدو خطورة التطورات الأخيرة مرتبطة بعدد السفن التي غيّرت مسارها فحسب، وإنما بالرسالة التي تحملها، إذ إن مجرد اضطرار شركات الشحن إلى إعادة تقييم مساراتها أو رفع درجات التأهب يعني ارتفاع تكاليف النقل والتأمين وإطالة زمن الرحلات، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار السلع والطاقة في الأسواق العالمية.

وأظهرت بيانات تتبع السفن أن أربع ناقلات غيّرت، الأربعاء، مسارها الملاحي في البحر الأحمر، بعدما كانت في طريقها إلى موانئ سعودية أو تمر عبر الممرات البحرية المؤدية إليها، وذلك عقب التحذيرات التي أطلقتها جماعة الحوثي للسفن من الإبحار نحو الموانئ السعودية.

وأظهرت بيانات تتبع السفن الصادرة عن مجموعة بورصات لندن ومنصة “مارين ترافيك”، إضافة إلى تحليلات مجموعة “فانغارد” البريطانية المتخصصة في إدارة المخاطر البحرية، أن جميع هذه السفن عدلت مسارها، حيث أشارت اثنتان منها إلى أن وجهتهما أصبحت قناة السويس، بينما اتجهت السفينتان الأخريان إلى المياه المفتوحة في البحر الأحمر في انتظار اتضاح الصورة الأمنية.

كما أظهرت بيانات الشحن أن ناقلة سيارات خامسة غيّرت مسارها في خليج عدن بعدما كانت قد أعلنت في البداية أن وجهتها التالية هي ميناء جدة السعودي، وهو ما اعتبره مراقبون مؤشرا على أن شركات النقل بدأت تتعامل بجدية مع المخاطر المحتملة، حتى قبل وقوع هجمات فعلية.

ولا يقتصر تأثير هذه التحركات على السفن المتجهة إلى السعودية، إذ يخشى خبراء الملاحة من أن يؤدي ارتفاع مستوى المخاطر إلى عزوف المزيد من شركات الشحن عن استخدام البحر الأحمر، أو إلى فرض شركات التأمين أقساطا إضافية على السفن العابرة، وهو سيناريو سبق أن شهدته المنطقة خلال الموجات السابقة من هجمات الحوثيين على السفن التجارية.

ومن جهتها، رفعت مهمة “أسبيدس” البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي مستوى التحذير، مؤكدة أن السفن ذات الصلة بإسرائيل أو الولايات المتحدة أو السعودية أصبحت معرضة بدرجة أكبر لخطر الاستهداف من جانب الحوثيين، ودعت هذه السفن إلى تجنب الإبحار عبر البحر الأحمر وخليج عدن إلى حين تراجع مستوى التهديد.

وجاء في مذكرة موجهة إلى قطاع الشحن، أوردت وكالة رويترز ملخصا لها، أن قوة “أسبيدس” أوصت السفن التجارية المرتبطة بمصالح إسرائيلية أو أميركية أو سعودية بتجنب عبور البحر الأحمر وخليج عدن في المرحلة الحالية، في إشارة إلى أن تقييم المخاطر لم يعد يقتصر على السفن الإسرائيلية كما كان في مراحل سابقة، بل توسع ليشمل أطرافا أخرى.

ويعكس هذا التحذير اتجاها متزايدا لدى القوى البحرية الدولية إلى التعامل مع تهديدات الحوثيين باعتبارها تهديدا للملاحة الدولية بأكملها، وليس مجرد امتداد للصراع اليمني أو الإقليمي، خاصة أن البحر الأحمر يمثل ممرا حيويا يمر عبره جزء كبير من التجارة العالمية، بما في ذلك صادرات النفط والغاز والبضائع المتجهة بين آسيا وأوروبا.

وعلى الجانب الآخر، تحدثت جماعة الحوثي عن نجاح ما وصفته بإجراءات “الحظر البحري”، وقالت إن ست سفن عادت أدراجها خلال أربع وعشرين ساعة من إعلان القرار، معتبرة ذلك دليلا على فعالية تهديداتها. وتسعى الجماعة من خلال هذا الخطاب إلى إظهار قدرتها على فرض وقائع جديدة في البحر الأحمر، مستفيدة من موقعها على الساحل الغربي لليمن ومن ترسانتها المتنامية من الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة.

ويرى مراقبون أن الحوثيين يحاولون توسيع نطاق الضغط الإقليمي في توقيت بالغ الحساسية، إذ تتزامن تهديداتهم مع احتدام المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران حول مضيق هرمز، بما يخلق انطباعا بأن طهران باتت تمتلك أكثر من ورقة ضغط على حركة الملاحة في المنطقة، سواء عبر الخليج العربي أو البحر الأحمر.

وفي هذا السياق، أعلن المتحدث العسكري باسم الجماعة يحيى سريع، في بيان مصور، ما سماه “حظر الملاحة البحرية” على السعودية، قائلا إن القرار يأتي ردا على ما تعتبره الجماعة “حصارا” تفرضه الرياض، وأنه دخل حيز التنفيذ فور الإعلان عنه.

غير أن الحكومة اليمنية ترى أن هذه التهديدات تتجاوز الإطار المحلي، وتندرج ضمن إستراتيجية إيرانية أوسع تستهدف استخدام الممرات البحرية كورقة ضغط سياسية وعسكرية. ولهذا دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي المجتمع الدولي إلى التعامل مع الحوثيين باعتبارهم “جزءا من شبكة تهديدات إقليمية عابرة للحدود”، محذرا من أن استمرار التغاضي عن هذه التحركات سيؤدي إلى تقويض أمن الملاحة الدولية.

وأكد العليمي أن محاولات الحوثيين جر اليمن إلى دائرة صراع أوسع لا تستهدف الداخل اليمني فقط، وإنما تمس أمن البحر الأحمر والدول المطلة عليه، فضلا عن الدول الآسيوية والأوروبية التي تعتمد على هذا الممر البحري الحيوي في تجارتها الخارجية.

وأثار إعلان الحوثيين موجة إدانات عربية ودولية، فيما حذرت الأمم المتحدة من مخاطر اتساع دائرة التصعيد وانعكاساته على الأمن الإقليمي، في حين أعلنت الحكومة اليمنية وتحالف دعم الشرعية اتخاذ خطوات للتعامل مع التهديدات الجديدة وحماية خطوط الملاحة.

وفي السعودية، أعرب مجلس الوزراء، خلال جلسته برئاسة العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز، عن إدانته الشديدة لما وصفه بـ”الادعاءات الباطلة والاتهامات الكاذبة” الصادرة عن جماعة الحوثي، مؤكدا أن هذه التحركات تعكس انخراط الجماعة في صراعات إقليمية تخدم أجندات خارجية وتفاقم معاناة الشعب اليمني.

وأكد المجلس استمرار المملكة في دعم الحكومة اليمنية الشرعية، واتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية أمنها وسلامة سفنها، بما يتوافق مع القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982.

ويجمع مراقبون على أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في احتمال تنفيذ الحوثيين هجمات جديدة، وإنما في حالة عدم اليقين التي تفرضها تهديداتهم على قطاع الشحن العالمي، إذ يكفي ارتفاع مستوى المخاطر لتغيير قرارات شركات النقل والتأمين، بما يضيف حلقة جديدة من الاضطراب إلى الاقتصاد العالمي الذي يواجه بالفعل ضغوطا متزايدة بسبب التوترات المتزامنة في البحر الأحمر ومضيق هرمز، وهما الشريانان اللذان تمر عبرهما نسبة كبيرة من تجارة الطاقة والبضائع العالمية.

اضف تعليقك