(عاد/ فرنسا) متابعات:
منذ أكثر من أربعة أشهر، يعيش مضيق هرمز بين شبح الإغلاق وإعادة الفتح الهشة، في أزمة أعادت هذا الممر البحري الحيوي إلى قلب الحسابات الجيوسياسية العالمية. فالمضيق الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية لم يعد مجرد طريق تجاري لنقل الطاقة، بل تحول إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين إيران والولايات المتحدة، تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية.
وبينما فشلت محاولات التهدئة الأخيرة في تثبيت اتفاق طويل الأمد، تبدو الأزمة متجهة نحو ثلاثة سيناريوهات رئيسية: استمرار نموذج “الإغلاق الانتقائي” الذي تمنح فيه إيران المرور وفق شروطها، أو محاولة أميركية جديدة لفرض فتح المضيق بالقوة، أو التوصل إلى تسوية تسمح بإبقاء الممر مفتوحا لكن مع تداعيات طويلة الأمد على أمن الطاقة العالمي.
وتكشف هذه السيناريوهات أن جوهر الأزمة لا يرتبط فقط بإرادة سياسية لدى طرفي الصراع، بل بجغرافيا تمنح إيران أدوات ضغط يصعب تجاوزها، في مقابل مصالح أميركية ودولية لا تستطيع التخلي عن حرية الملاحة في هذا الشريان البحري.
وتكمن أهمية مضيق هرمز في كونه المنفذ البحري الوحيد الذي يربط الخليج العربي بالمحيط المفتوح، حيث تمر عبر ممراته الضيقة ناقلات النفط والغاز القادمة من السعودية والإمارات والكويت وقطر والعراق.
ورغم وجود محاولات لإنشاء خطوط أنابيب بديلة، فإن قدرتها لا تزال محدودة مقارنة بحجم التدفقات البحرية.
وتقدر الطاقة البديلة المتاحة بنحو بضعة ملايين من البراميل يوميا، مقابل نحو 20 مليون برميل تمر عادة عبر المضيق.
ويمنح هذا الواقع إيران ميزة استراتيجية لا تعتمد بالضرورة على تفوق بحري تقليدي، بل على موقعها الجغرافي. فطهران تسيطر على كامل الساحل الشمالي للمضيق، وتملك قواعد ومنشآت عسكرية وجزرًا قريبة من الممر الملاحي، ما يسمح لها باستخدام الصواريخ الساحلية والزوارق السريعة والألغام البحرية لتهديد حركة السفن دون الحاجة إلى خوض مواجهة بحرية مباشرة.
ولهذا فإن أي محاولة لفتح المضيق بالقوة تعني عمليا مواجهة البنية العسكرية الإيرانية على أراضيها، وهي خطوة تحمل تكاليف سياسية وعسكرية ضخمة.
ويتمثل السيناريو الأول في تحول الإغلاق الكامل إلى نظام “إدارة مرور” تتحكم فيه إيران بشكل مباشر أو غير مباشر.
وبدلا من إيقاف جميع السفن، يمكن لطهران السماح بمرور ناقلات دول معينة، بينما تفرض قيودا على سفن الدول التي تعتبرها معادية.
ويعني ذلك انتقال الصراع من محاولة إغلاق المضيق بالكامل إلى استخدامه كأداة ضغط سياسية واقتصادية.
وقد ظهرت ملامح هذا السيناريو خلال الأزمة الأخيرة، عندما ربطت إيران السماح بالمرور بإجراءات ومعلومات مسبقة حول الشحنات والوجهات، في خطوة تهدف إلى تكريس فكرة أن لها دورا في تنظيم الملاحة داخل المضيق.
وتكمن خطورة هذا المسار في أنه يغير قواعد التعامل مع الممر البحري، إذ لم تعد القضية مجرد ضمان حرية الملاحة، بل أصبحت مرتبطة بمن يملك حق تحديد شروط المرور.
كما أن هذا السيناريو قد يجد بعض القوى الكبرى متقبلا له بشكل غير مباشر، خصوصا الدول التي تعتمد على النفط الخليجي ولا ترغب في الدخول في مواجهة عسكرية مع إيران. فالصين، التي تحصل على نسبة كبيرة من وارداتها النفطية عبر الخليج، قد تفضل استقرارا عمليا حتى لو كان ضمن ترتيبات غير تقليدية.
لكن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وسيحول المضيق إلى منطقة نفوذ متنازع عليها بدلا من كونه ممرا دوليا مفتوحا.
وأما السيناريو الثاني فيقوم على استخدام الولايات المتحدة القوة العسكرية لإعادة فتح المضيق وإنهاء قدرة إيران على تهديد الملاحة.
وقد حاولت واشنطن خلال الأزمة تنفيذ عمليات عسكرية استهدفت منشآت صاروخية وبنى بحرية إيرانية، لكنها اصطدمت بحقيقة أن تدمير بعض القدرات لا يعني بالضرورة السيطرة على الجغرافيا.
وحتى لو نجحت الضربات الجوية في إضعاف جزء من الترسانة الإيرانية، فإن طهران قادرة على الاحتفاظ بقدرة الردع غير المتكافئ من خلال الصواريخ الساحلية والزوارق الصغيرة والألغام.
كما أن السيطرة الفعلية على المضيق تتطلب وجودا عسكريا مستمرا، وربما عمليات برية على الساحل الإيراني، وهو خيار لا تبدو الولايات المتحدة وحلفاؤها مستعدين لتحمله بسبب تكلفته العالية ومخاطره على استقرار المنطقة.
السيناريو الثالث يبقى الأكثر احتمالا، وهو التوصل إلى تفاهم سياسي يسمح بإعادة فتح المضيق، لكنه لن يعيد الوضع إلى ما كان عليه قبل الأزمة.
وإضافة إلى ذلك، فإن غياب توافق دولي واسع حول عمل عسكري طويل الأمد قد يحد من قدرة واشنطن على تحويل التفوق العسكري إلى حل سياسي دائم.
ولهذا فإن الخيار العسكري قد يؤدي إلى تصعيد أكبر دون ضمان إنهاء الأزمة، خصوصا إذا تمكنت إيران من تحويل المواجهة إلى حرب استنزاف طويلة.
ويبقى السيناريو الثالث الأكثر احتمالا، وهو التوصل إلى تفاهم سياسي يسمح بإعادة فتح المضيق، لكنه لن يعيد الوضع إلى ما كان عليه قبل الأزمة.
وحتى في حال نجاح المفاوضات، فإن شركات الشحن وأسواق الطاقة لن تنسى المخاطر التي ظهرت خلال المواجهة. وقد تعيد شركات التأمين تقييم المخاطر، كما قد تتجه الدول المستوردة للطاقة إلى تسريع بناء خطوط بديلة وتنويع مصادر الإمدادات.
وسيصبح أمن الطاقة جزءا من الحسابات الاستراتيجية للدول الكبرى، وليس مجرد ملف اقتصادي.
كما أن أي اتفاق مستقبلي سيواجه معضلة أساسية: إيران تريد اعترافا بدورها الأمني في الخليج، بينما تصر الولايات المتحدة على أن يبقى المضيق ممرا دوليا لا يخضع لشروط دولة واحدة.
وتجعل هذه الفجوة أي اتفاق عرضة للانهيار ما لم يتضمن ترتيبات واضحة بشأن حرية الملاحة والبرنامج النووي الإيراني والعقوبات والعلاقات الإقليمية.
وبغض النظر عن السيناريو الذي سيتحقق، فإن أزمة مضيق هرمز غيرت طريقة تعامل العالم مع أمن الطاقة. فقد أثبتت المواجهة أن الاعتماد الكبير على ممر بحري واحد يمثل نقطة ضعف استراتيجية، وأن أي أزمة في الخليج يمكن أن تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي.
ولهذا بدأت دول عدة البحث عن بدائل، سواء عبر تطوير خطوط أنابيب جديدة أو تعزيز طرق نقل أخرى، في محاولة لتقليل قدرة أي طرف على استخدام المضائق البحرية كورقة ضغط.
وفي النهاية، فإن مستقبل مضيق هرمز لن يتحدد فقط بالقوة العسكرية أو الاتفاقات السياسية، بل بقدرة الأطراف المتصارعة على التوصل إلى صيغة توازن بين مصالح إيران الأمنية، وحرية الملاحة الدولية، وحاجة العالم إلى استقرار تدفقات الطاقة.
فالمعركة حول هرمز ليست مجرد صراع على ممر مائي، بل اختبار جديد لشكل النظام الإقليمي والدولي في الشرق الأوسط.

























