(عاد/ القاهرة) متابعات:
لم تعد سوريا مجرد ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية، بل تحولت إلى نقطة ارتكاز تحدد مستقبل العلاقة بين تركيا وإسرائيل، في ظل تنافس متصاعد على النفوذ وشكل النظام الأمني في مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد.
وبينما ترى أنقرة أن استقرار سوريا يمر عبر بناء دولة مركزية قوية قادرة على ضبط أراضيها وحدودها، تنظر إسرائيل إلى أي تمدد عسكري أو أمني تركي داخل الساحة السورية باعتباره تغييراً في ميزان القوى قد يهدد مصالحها الاستراتيجية.
ودفع هذا التباين في الرؤى البلدين إلى مرحلة من التوتر غير المسبوق، حيث باتت التحركات العسكرية في سوريا تشكل اختباراً مباشراً لقدرة أنقرة وتل أبيب على إدارة خلافاتهما دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بالخلافات السياسية أو التصريحات المتبادلة، بل أصبحت مرتبطة بوجود عسكري ومصالح أمنية متقاطعة داخل جغرافيا واحدة.
وجاءت الضربة الإسرائيلية التي استهدفت في مارس الماضي ثلاثة مواقع في وسط سوريا كانت تركيا قد حددتها لإقامة قاعدة جوية مستقبلية، لتكشف حجم الحساسية بين الطرفين.
ورغم أن الوجود العسكري التركي في تلك المواقع لم يكن قد بدأ فعلياً، فإن إسرائيل اختارت توجيه ضربة استباقية لمنع قيام بنية عسكرية تركية جديدة في منطقة تعتبرها ذات أهمية أمنية.
ولم ترد أنقرة عسكرياً على الضربة، وهو ما عكس إدراكاً من الطرفين لخطورة الانتقال من مرحلة التنافس والردع إلى مرحلة المواجهة المباشرة. فتركيا وإسرائيل تمتلكان جيشين من الأكثر قدرة في المنطقة، لكن كلفة أي صدام بينهما ستكون كبيرة، ليس فقط على المستوى العسكري، بل أيضاً بسبب التداعيات الإقليمية والدولية التي قد تنتج عنه.
ومنذ سقوط الأسد، أصبحت سوريا محوراً لتنافس جديد بين القوى الإقليمية. فتركيا، التي دعمت الإدارة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع، تسعى إلى تثبيت نفوذها السياسي والأمني، وترى أن وجود سلطة مركزية قوية في دمشق يخدم مصالحها، خصوصاً في ملف الجماعات الكردية المسلحة على حدودها الجنوبية.
وتعتبر أنقرة أن إنهاء هذا الملف يتطلب إعادة بناء مؤسسات الدولة السورية ومنع قيام كيانات عسكرية مستقلة داخل البلاد.
وفي المقابل، تتبنى إسرائيل مقاربة مختلفة تماماً. فهي تخشى من عودة سوريا إلى لعب دور عسكري أو تحالفها مع قوى تعتبرها معادية، ولذلك تفضل وجود واقع سوري ضعيف ومجزأ نسبياً يمنع ظهور قوة مركزية قادرة على تهديد أمنها.
ومن هذا المنطلق، كثفت إسرائيل عملياتها العسكرية داخل الأراضي السورية، مستهدفة مواقع وبنى تحتية تقول إنها مرتبطة بتهديدات مستقبلية.
ويضع هذا الاختلاف الجوهري حول مستقبل سوريا أنقرة وتل أبيب في مسار تصادمي، لكنه لا يعني بالضرورة أن الطرفين يتجهان نحو حرب شاملة.
ورغم الخطاب السياسي الحاد، حافظت تركيا وإسرائيل على قنوات اتصال عسكرية غير مباشرة تهدف إلى منع الاحتكاكات غير المقصودة، خصوصاً في الأجواء السورية التي تشهد تحركات متعددة الأطراف.
وتدرك تركيا أن قدراتها العسكرية، رغم تطورها الكبير، لا تجعل الحرب مع إسرائيل خياراً سهلاً أو مضمون النتائج.
وبعض برامجها الدفاعية الكبرى لا تزال في مراحل التطوير، كما أن تحديث قدراتها الجوية يعتمد جزئياً على علاقاتها مع الولايات المتحدة.
استمرار الاحتكاك داخل الساحة السورية يجعل خطر الانزلاق إلى مواجهة غير مقصودة قائماً، ويجعل من تطورات دمشق العامل الأهم في رسم مستقبل العلاقة بين أنقرة وتل أبيب.
وفي المقابل، تدرك إسرائيل أن الدخول في مواجهة مع تركيا سيكون مختلفاً عن مواجهاتها السابقة، نظراً لحجم الجيش التركي وموقع تركيا الجيوسياسي وعلاقاتها الدولية.
ولهذا يبدو أن الحسابات الحالية للطرفين تقوم على الردع المتبادل وتجنب تجاوز الخطوط الحمراء. فأنقرة لا تريد تحويل وجودها في سوريا إلى مواجهة مباشرة مع إسرائيل، وتل أبيب لا ترغب في فتح جبهة جديدة مع قوة إقليمية كبيرة يمكن أن تستنزف قدراتها ومواردها.
لكن الخطر الأكبر لا يكمن في قرار سياسي متعمد ببدء الحرب، بل في احتمال وقوع حادث ميداني يؤدي إلى تصعيد غير محسوب.
وتبرز هنا قضية قوات سوريا الديمقراطية (قسد) باعتبارها أحد أكثر الملفات حساسية. فإذا فشلت محاولات دمج هذه القوات داخل الجيش السوري، وتحركت تركيا عسكرياً ضد مواقعها في شمال شرق سوريا، فقد تجد نفسها في منطقة تتداخل فيها المصالح الإسرائيلية مع التحركات التركية.
وقد تخلق أي مواجهة بين القوات المدعومة من تركيا والقوى التي تحظى بدعم إسرائيلي ظروفاً يصعب السيطرة عليها، خصوصاً إذا سقط ضحايا من عناصر مرتبطة بأحد الطرفين. ففي مثل هذه الحالات، قد تتحول الضغوط الداخلية إلى عامل يدفع الحكومتين إلى الرد، حتى لو لم يكن خيار الحرب مطروحاً في البداية.
كما أن الدور الأميركي سيكون عاملاً حاسماً في منع أي تصعيد. فالولايات المتحدة لا ترغب في رؤية مواجهة بين تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، وإسرائيل، أحد أبرز شركائها في الشرق الأوسط.
ولذلك من المتوقع أن تستمر واشنطن في الضغط على الطرفين للحفاظ على قنوات التنسيق وتجنب أي خطوات قد تؤدي إلى مواجهة.
وسيتحدد مستقبل العلاقة بين تركيا وإسرائيل بدرجة كبيرة داخل سوريا وليس في العواصم السياسية. فإذا نجحت دمشق في بناء توازن جديد يراعي مصالح القوى الإقليمية، فقد تبقى الخلافات التركية الإسرائيلية ضمن حدود المنافسة السياسية والأمنية.
وأما إذا تحولت سوريا إلى ساحة صدام مفتوح على النفوذ والقواعد العسكرية، فإن احتمالات المواجهة سترتفع.
سوريا اليوم ليست فقط اختباراً لمستقبل الدولة السورية، بل أصبحت أيضاً مقياساً لطبيعة العلاقة بين قوتين إقليميتين متنافستين.
وبينما لا تبدو الحرب الشاملة الخيار الأكثر احتمالاً، فإن استمرار الاحتكاك داخل الساحة السورية يجعل خطر الانزلاق إلى مواجهة غير مقصودة قائماً، ويجعل من تطورات دمشق العامل الأهم في رسم مستقبل العلاقة بين أنقرة وتل أبيب.























