(عاد/ بروكسل) متابعات:
تتحرك الأمم المتحدة وعدد من الدول الداعمة لها على أكثر من مسار دبلوماسي لاحتواء أزمة تهدد مستقبل مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، بعدما كشفت تقارير عن دراسة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب قطع علاقاتها مع المفوضية، في خطوة من شأنها حرمان الوكالة الأممية من أكبر ممول لها، وفتح الباب أمام أزمة إنسانية قد تطال ملايين اللاجئين حول العالم.
وبحسب مصادر مطلعة فإن واشنطن ناقشت خلال الأسابيع الماضية إمكانية إنهاء علاقتها بالمفوضية، بما يشمل وقف التمويل الأميركي، وربما الانسحاب من اللجنة التنفيذية التي تشرف على عملها.
ورغم أن قرارا كان متوقعا خلال الأسبوع الماضي، فإنه لم يصدر، وهو ما فسره دبلوماسيون بأنه نتيجة مباشرة لتحركات وضغوط دبلوماسية هدفت إلى إقناع الإدارة الأميركية بالتراجع عن هذه الخطوة.
وتكشف هذه التطورات حجم القلق داخل الأمم المتحدة من احتمال فقدان أهم داعم مالي للمفوضية في وقت تواجه فيه المنظمة بالفعل واحدة من أسوأ أزماتها المالية، بالتزامن مع ارتفاع أعداد النازحين واللاجئين إلى مستويات غير مسبوقة بسبب النزاعات الممتدة في أوكرانيا والسودان ومناطق أخرى.
ووفقا للمصادر، طلب مسؤولو المفوضية من الحكومات الصديقة استخدام جميع القنوات الدبلوماسية المتاحة مع واشنطن لإقناعها بالحفاظ على علاقتها مع الوكالة الأممية، محذرين من أن إدراج المفوضية على أي قائمة سوداء أميركية سيؤدي إلى تداعيات واسعة على قدرتها التشغيلية.
وشارك في هذه الجهود دبلوماسيون ومسؤولون في مجال الإغاثة، سعيا إلى إبراز الدور الذي تؤديه المفوضية في إدارة أزمات اللجوء العالمية، والتأكيد أن أي تراجع أميركي سيترك فراغا يصعب على المانحين الآخرين تعويضه في المدى القريب.
ويشير تأجيل الإعلان عن أي قرار أميركي إلى أن هذه التحركات ربما نجحت، على الأقل مؤقتا، في كسب الوقت ومنع صدور قرار قد تكون تداعياته كبيرة على النظام الإنساني الدولي.
ورغم أن أزمة التمويل تبدو في واجهة المشهد، فإن جذور الخلاف بين واشنطن والمفوضية تتجاوز الجانب المالي.
وتفيد المصادر بأن الأزمة تفجرت بعد تعيين الدبلوماسية الأميركية تريسا راي فينيرتي في منصب نائبة المفوض السامي، بعدما فضّل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش والمفوض السامي برهم صالح اختيارها بدلا من المرشح الذي دعمته إدارة ترامب، سايمون هانكينسون.
وكان هانكينسون قد انتقد سياسات المفوضية واتهمها بتشجيع ما وصفه بـ”الهجرة الجماعية”، داعيا إلى إعادة تركيز عملها على مساعدة “اللاجئين الحقيقيين” وتشديد الرقابة على الإنفاق والميزانيات.
ويرى مراقبون أن الخلاف حول هذا التعيين يعكس تباينا أوسع بين إدارة ترامب وبعض وكالات الأمم المتحدة بشأن أولويات إدارة ملفات الهجرة واللجوء، ودور المؤسسات الدولية في التعامل معها.
وتكمن خطورة الأزمة في أن الولايات المتحدة ليست مجرد دولة مانحة، بل تمثل العمود المالي الرئيسي للمفوضية.
الأزمة تفجرت بعد تعيين الدبلوماسية الأميركية تريسا راي فينيرتي في منصب نائبة المفوض السامي، بعدما فضّل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش والمفوض السامي برهم صالح اختيارها بدلا من المرشح الذي دعمته إدارة ترامب، سايمون هانكينسون.
ووفقا لبيانات الوكالة الأممية، قدمت واشنطن خلال عام 2025 نحو 868 مليون دولار، أي ما يقارب ربع إجمالي مساهمات المانحين، وهو ما يجعل أي قرار بوقف التمويل ضربة مباشرة لقدرة المفوضية على مواصلة برامجها.
ويأتي ذلك في وقت كانت المفوضية قد أعلنت بالفعل انخفاض مواردها المالية بنحو 30 في المئة مقارنة بعام 2024، الأمر الذي أجبرها على إلغاء آلاف الوظائف وتقليص عدد من برامجها الإنسانية حول العالم.
ويرى مسؤولون في قطاع الإغاثة أن فقدان التمويل الأميركي قد يدفع الوكالة إلى إجراء تخفيضات إضافية تشمل المساعدات الغذائية، والرعاية الصحية، والتعليم، وبرامج حماية اللاجئين، خصوصا في الدول التي تستضيف أعدادا كبيرة منهم.
وفي المقابل، حاولت وزارة الخارجية الأميركية تهدئة المخاوف، مؤكدة أن التعاون مع المفوضية لم يشهد أي تغيير حتى الآن.
وأوضح متحدث باسم الوزارة أن الولايات المتحدة ستواصل العمل مع المفوضية عندما يخدم ذلك مصالح السياسة الخارجية الأميركية أو يساهم في إنقاذ الأرواح، دون أن ينفي بشكل مباشر وجود مراجعة للعلاقة مع الوكالة.
وأما الأمم المتحدة، فقد امتنعت عن التعليق على التقارير، مؤكدة أنها لا تمتلك معلومات رسمية بشأن أي قرار أميركي مرتقب.
وتعكس الأزمة الراهنة توجها أوسع داخل إدارة ترامب نحو إعادة تقييم العلاقة مع المنظمات الدولية وربط استمرار التمويل الأميركي بمدى توافق سياسات تلك المؤسسات مع أولويات واشنطن.
وفي المقابل، ترى الأمم المتحدة أن الحفاظ على الشراكة مع الولايات المتحدة يمثل ضرورة ليس فقط لضمان استقرار ميزانية المفوضية، بل أيضا للحفاظ على قدرة النظام الإنساني الدولي على الاستجابة لأزمات النزوح المتزايدة.
وبينما لم يُحسم القرار الأميركي بعد، فإن التحركات الدبلوماسية الجارية تكشف إدراكا دوليا بأن خسارة الدعم الأميركي لن تكون مجرد أزمة مالية تخص وكالة أممية، بل قد تتحول إلى تحدٍ عالمي ينعكس على أوضاع ملايين اللاجئين الذين يعتمدون على خدمات المفوضية في مختلف أنحاء العالم، وهو ما يجعل الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد مستقبل العلاقة بين واشنطن ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ومستقبل واحدة من أهم مؤسسات العمل الإنساني الدولي.























