(عاد/ فرنسا) متابعات:
مع دخول المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة أكثر تعقيدا، عادت الدبلوماسية إلى الواجهة عبر مبادرة إقليمية جديدة تقضي بوقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام، في محاولة لاحتواء التصعيد وفتح نافذة تفاوض قد تكون الأخيرة قبل انتقال الأزمة إلى مرحلة أكثر اتساعا.
وتراهن الدول الوسيطة على أن تمنح هذه الهدنة المؤقتة الطرفين فرصة لإعادة تقييم خياراتهما، في وقت تتزايد فيه كلفة المواجهة سياسيا واقتصاديا وعسكريا على جميع الأطراف.
وبحسب ما كشفه مصدر إقليمي لموقع “أكسيوس”، فإن المبادرة التي شاركت في بلورتها كل من قطر ومصر وباكستان، إلى جانب وسطاء آخرين، لا تقتصر على وقف العمليات العسكرية، بل تتضمن إطلاق مفاوضات مكثفة بشأن أبرز نقاط الخلاف، وفي مقدمتها مستقبل الملاحة في مضيق هرمز، الذي تحول إلى العقدة الرئيسية في الأزمة بين واشنطن وطهران.
ويعكس توقيت المبادرة إدراكا متزايدا لدى القوى الإقليمية بأن استمرار المواجهة المفتوحة يحمل مخاطر تتجاوز حدود الصراع الثنائي، إذ يهدد أمن الطاقة العالمي، ويزيد احتمالات انخراط أطراف إقليمية أخرى، فضلا عن انعكاساته على الاقتصاد الدولي وأسواق النفط.
وتقوم المبادرة على منح الطرفين فترة تهدئة تمتد عشرة أيام، يجري خلالها تثبيت وقف إطلاق النار وتهيئة الأجواء لإجراء مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة، مع التركيز على صياغة ترتيبات جديدة لإدارة الملاحة في مضيق هرمز بما يحقق توازنا بين متطلبات الأمن البحري ومصالح إيران الاقتصادية.
ومن بين الأفكار المطروحة، السماح لطهران بالحصول على عائدات مقابل خدمات تقدمها للسفن العابرة، تشمل حماية البيئة البحرية وخدمات الإنقاذ والإرشاد والدعم اللوجستي، بدلا من فرض رسوم عبور مباشرة قد تُعد مخالفة لقواعد الملاحة الدولية. ويستند هذا التصور إلى نماذج مطبقة في مضيق ملقا، حيث تتقاضى ماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة رسوما مقابل خدمات محددة تقدمها للسفن.
وتشير هذه الصيغة إلى محاولة إيجاد مخرج يحفظ ماء وجه جميع الأطراف؛ فهي تمنح إيران موردا اقتصاديا مشروعا، وتجنب الولايات المتحدة والدول الغربية الاعتراف بأي سيطرة إيرانية على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
المبادرة تقوم على منح الطرفين فترة تهدئة تمتد عشرة أيام، يجري خلالها تثبيت وقف إطلاق النار وتهيئة الأجواء لإجراء مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة، مع التركيز على صياغة ترتيبات جديدة لإدارة الملاحة في مضيق هرمز بما يحقق توازنا بين متطلبات الأمن البحري ومصالح إيران الاقتصادية.
وتأتي هذه الوساطة في وقت لم تحسم فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب خياراتها النهائية. فداخل واشنطن يدور نقاش بين اتجاه يدعو إلى استثمار الضغوط العسكرية الحالية لدفع إيران نحو اتفاق جديد، واتجاه آخر يرى أن استمرار العمليات قد يؤدي إلى توسيع الحرب دون تحقيق أهداف استراتيجية حاسمة، ما يجعل منح الدبلوماسية فرصة جديدة خيارا أقل كلفة.
كما تنظر إسرائيل إلى المبادرة بحذر، إذ تخشى أن تتحول الهدنة إلى فرصة تمنح إيران وقتا لإعادة ترتيب قدراتها، لكنها في الوقت ذاته تدرك أن استمرار الحرب يحمل مخاطر كبيرة على الأمن الإقليمي، لذلك تشير المعطيات إلى أنها تحث الإدارة الأميركية على عدم إغلاق الباب أمام الحلول السياسية، مع الإبقاء على الجاهزية العسكرية إذا انهارت المفاوضات.
وفي المقابل، تؤكد طهران أنها لا ترى تعارضا بين العمل الدبلوماسي والاستعداد العسكري. فقد شدد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي على أن بلاده ستستخدم جميع الأدوات اللازمة للدفاع عن مصالحها، مؤكدا استمرار الاتصالات مع الوسطاء وتلقيها مقترحات متعددة، دون الكشف عن تفاصيلها.
وتنسجم هذه الرسائل مع الموقف الأميركي الذي يؤكد بدوره أن قنوات التواصل لم تنقطع رغم استمرار العمليات العسكرية، وهو ما يعزز الانطباع بأن التصعيد العسكري يجري بالتوازي مع مفاوضات غير معلنة، في محاولة للوصول إلى تفاهم يحقق الحد الأدنى من مصالح الطرفين.
ورغم الحراك السياسي، لا تزال المؤشرات العسكرية تعكس استعداد الطرفين لجميع الاحتمالات. فالولايات المتحدة تواصل تعزيز وجودها العسكري في المنطقة بإرسال مقاتلات وناقلات وقود إضافية، بينما رفعت إسرائيل مستوى جاهزيتها تحسبا لفشل الوساطة، في حين تواصل إيران تأكيد قدرتها على حماية مصالحها في الخليج.
ويعزز هذا المشهد فرضية أن الهدنة المقترحة ليست نهاية للأزمة، بل اختبارا لمدى استعداد الطرفين للانتقال من سياسة الضغوط المتبادلة إلى سياسة التفاهمات المرحلية، خاصة بعدما أثبتت الأسابيع الماضية أن الخيار العسكري وحده لم ينجح في تحقيق أهدافه كاملة، سواء في إنهاء النفوذ الإيراني في مضيق هرمز أو في فرض معادلة ردع مستقرة.
وفي حال نجحت الوساطة في تثبيت وقف إطلاق النار، فقد تفتح الباب أمام مسار تفاوضي أوسع يتناول ملفات أخرى تتجاوز الملاحة البحرية، بما في ذلك ترتيبات الأمن الإقليمي ومستقبل العلاقات الأميركية الإيرانية.
وأما إذا تعثرت، فإن المنطقة قد تجد نفسها أمام جولة جديدة من التصعيد ستكون أكثر خطورة، في ظل استمرار الحشود العسكرية وغياب أي ضمانات تمنع اتساع رقعة المواجهة.
وبذلك تبدو المبادرة الإقليمية أكثر من مجرد مقترح لوقف إطلاق النار؛ فهي تمثل محاولة لإنقاذ المسار الدبلوماسي في لحظة يقترب فيها الصراع من نقطة يصعب بعدها احتواء تداعياته، ما يجعل الأيام المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت الوساطة ستنجح في فتح باب التسوية، أم أن المنطقة ستعود مجددا إلى منطق القوة.























