«الكيماوي» يطارد جنرال الحرب.. كيف ضاقت خيارات البرهان؟

2026/07/11م

(عاد/ واشنطن) متابعات:

بات الجنرال عبدالفتاح البرهان، قائد الجيش السوداني، أمام خيار بسيط لا يملك منه فراراً؛ فإما قبول تحقيق شفاف أو رفض ينطوي على اعتراف.

فرض هذه الوضعية الجديدة تأكيدٌ أمريكي جديد في محفل دولي، باستخدام جيش السودان أسلحة كيماوية خلال الحرب الجارية في البلاد. ومع هذا التأكيد، دعت واشنطن حكومة بورتسودان إلى تقديم إعلان شامل عن برامجها الكيماوية، والسماح بعمليات تفتيش دولية دون قيود.

ويقول القيادي في حزب الأمة القومي في السودان، عروة الصادق، لـ”العين الإخبارية”: “إنه منذ ظهور الاتهامات، اتجهت سلطة بورتسودان إلى نفيها واعتبارها ذات دوافع سياسية، في محاولة لنقل النقاش من المسار الفني إلى مسار الخلاف السياسي مع واشنطن”.

وأضاف: “هذا النهج قد يحقق مكاسب إعلامية داخلية، لكنه يفقد كثيراً من فعاليته عندما ينتقل الملف إلى المؤسسات الدولية المختصة، حيث يكون الفيصل هو إجراءات التحقق الفني والأدلة التي تُقيَّم وفق قواعد الاتفاقية الدولية”.

الجمل والنخلة
يقولون في الأمثال الشعبية: “إن الجمل تسلق النخلة، فهاك الجمل وهاك النخلة”. ودأبت حكومة بورتسودان على نفي الاتهامات الدولية، لكنها أصبحت مطالبة بالسماح للمجتمع الدولي بالتحقق، فهل يسمح البرهان بذلك؟

ويثير الاتهام الأمريكي للجيش السوداني جملة من المسائل القانونية على المستويين الدولي والمحلي. وبحسب قانونيين وسياسيين تحدثوا لـ”العين الإخبارية”، فإن السودان دولة طرف في اتفاقية حظر استحداث وإنتاج وتخزين واستخدام الأسلحة الكيميائية وتدمير تلك الأسلحة، وبالتالي يُفترض أن يلتزم قانوناً بعدم تطوير أو إنتاج أو حيازة أو استخدام هذه الأسلحة تحت أي ظرف.

وجاء الإعلان الأمريكي الجديد حول استخدام الأسلحة الكيميائية في السودان في بيان ألقته الولايات المتحدة أمام الدورة الـ112 للمجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية، المنعقدة في لاهاي، ضمن البند الخاص بـ”التصدي للتهديد الناجم عن استخدام الأسلحة الكيماوية في السودان”.

وقالت الولايات المتحدة إن الجيش السوداني استخدم أسلحة كيماوية خلال عام 2024، معتبرة أنه لا يزال في حالة عدم امتثال لاتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية خلال عام 2025. ودعت الولايات المتحدة السودان إلى البدء في العودة إلى الامتثال عبر تقديم إعلان “شامل ودقيق” إلى الأمانة الفنية لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية، يتضمن جميع المعلومات المطلوبة بشأن المنشآت والأسلحة الكيماوية الموجودة في البلاد.

وأضافت أن على السودان، وفقاً لأحكام الاتفاقية، أن يمنح الأمانة الفنية وصولاً “غير معرقل وشفاف” لإجراء تحقق كامل في المواقع. كما دعت شركاءها، ولا سيما دول المنطقة، إلى الانضمام إليها في المطالبة بتحقيق شفاف وفوري من الخرطوم.

ضرورة التحقيق الدولي

ورأى خبير القانون في السودان، وعضو المكتب التنفيذي لـ”محامو الطوارئ”، محمد صلاح، أن ما أعلنته الولايات المتحدة حول استخدام الجيش السوداني للأسلحة الكيميائية، ودعوتها للسودان بأن يمنح الأمانة الفنية وصولاً “غير معرقل وشفاف” لإجراء تحقق كامل في المواقع، يضع السلطات في بورتسودان أمام مواجهة دولية قانونية تقتضي “شفافية” كبيرة وإجابات واضحة وصريحة.

وقال لـ”العين الإخبارية”: “إذا ثبتت صحة الاتهامات الموجهة إلى القوات المسلحة السودانية باستخدام أسلحة كيميائية خلال النزاع المسلح، فإن ذلك يشكل انتهاكاً جسيماً لأحكام الاتفاقية الدولية، كما قد يرقى إلى جريمة حرب بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني التي تحظر استخدام السموم والأسلحة السامة ووسائل القتال التي تسبب آلاماً مفرطة أو آثاراً عشوائية على المدنيين”.

وأضاف: “لا يكفي في هذا السياق تبادل الاتهامات السياسية أو الإعلامية، بل يتطلب الأمر تحقيقاً دولياً مستقلاً ومحايداً يستند إلى الأدلة الفنية والعلمية وفق المعايير المعتمدة لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية”. وأكد أنه من الناحية الإجرائية، فإن أي ادعاءات باستخدام أسلحة كيميائية تستوجب تعاون السلطات السودانية الكامل مع آليات التحقق الدولية، بما في ذلك تقديم المعلومات المطلوبة وتمكين الخبراء من الوصول إلى المواقع والأدلة ذات الصلة، بما يضمن الوصول إلى الحقيقة وتحديد المسؤوليات الفردية والمؤسسية”. وأشار القانوني السوداني إلى أن مبدأ المساءلة يقتضي عدم الإفلات من العقاب في حال ثبوت وقوع الانتهاكات، بغض النظر عن الجهة المسؤولة عنها.

الامتثال
من جهته، اعتبر عروة الصادق أن سلطة بورتسودان دخلت بموجب تطورات المسألة المتعلقة باستخدام السلاح الكيميائي مرحلة مختلفة من الضغوط الدولية. وقال إن “المسألة لم تعد تقتصر على عقوبات اقتصادية أو مواقف سياسية، وإنما انتقلت إلى واحد من أكثر الملفات حساسية في النظام الدولي، وهو ملف الامتثال لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية؛ وبذلك لم تعد القضية محصورة في العلاقة مع الولايات المتحدة، وإنما أصبحت مرتبطة أيضاً بمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية والدول الأطراف في الاتفاقية، وهو تطور يرفع الكلفة السياسية والدبلوماسية لأي موقف تتخذه السلطة”.

وبحسب عروة، فإن المرحلة المقبلة ستكون أكثر تعقيداً؛ لأن النقاش لم يعد يدور حول الاتهام في حد ذاته، وإنما حول مدى استعداد السلطة للتعاون مع آليات التحقق الدولية؛ فإذا وافقت على عمليات التفتيش وفق المعايير المعتمدة، فإنها ستدخل مساراً فنياً قد يخفف الضغوط إذا أثبت امتثالها. وتابع: “أما إذا اتجهت إلى التعاون الجزئي أو فرض قيود واسعة على فرق التحقق، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام اتهامات بعدم الامتثال، وهو وضع يحمل تداعيات سياسية ودبلوماسية أوسع”.

وأوضح أنه “من واقع تجارب دول أخرى واجهت ملفات مشابهة، فإن المماطلة الإجرائية أو إطالة التفاوض حول نطاق التفتيش وصلاحياته كثيراً ما تؤدي إلى زيادة الشكوك الدولية بدلاً من احتوائها، لذلك فإن أي محاولة لكسب الوقت قد تتحول إلى عامل يضاعف الضغوط، خاصة إذا تشكل إجماع أوسع داخل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية”، على حد قوله.

مطالبات دولية سابقة
وكان فريق المراقبة التابع لقناة “فرانس 24” في باريس قد كشف في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي عن أدلة تشير إلى استخدام الجيش السوداني غاز الكلور في هجومين استهدفا مصفاة الجيلي النفطية ومحيطها شمال العاصمة الخرطوم، خلال شهر سبتمبر/أيلول 2024، وذلك أثناء محاولة الجيش استعادة السيطرة على المنطقة من قوات الدعم السريع.

وكانت الولايات المتحدة الأمريكية قد فرضت بالفعل عقوبات على السودان في مايو/أيار 2025، متهمة الجيش باستخدام أسلحة كيميائية في النزاع العسكري الدائر حتى الآن مع قوات الدعم السريع.

ومن جهة أخرى، وفي ذات الشهر من العام الماضي، طالبت مديرة قسم الأزمات والصراع والأسلحة بمنظمة “هيومن رايتس ووتش”، إيدا سوير، جميع الدول الأطراف في اتفاقية الأسلحة الكيميائية بدعم تحقيق شفاف تجريه الأمانة الفنية لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، فيما يتعلق باستخدام الجيش السوداني للأسلحة الكيميائية خلال الحرب الدائرة في السودان. كما شددت على ضرورة قيام الولايات المتحدة بنشر الأدلة التي استندت إليها في فرض عقوباتها على قائد الجيش السوداني عبدالفتاح البرهان.

اضف تعليقك