(عاد/ روسيا) متابعات:
في خطوة وُصفت بـ«التاريخية»، بدأت أمريكا إجراءات شطب دمشق من قائمة الدول الراعية للإرهاب، في تحول ينهي تصنيفا امتد لعقود، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة لا تخلو من تحديات.
قرار قال عنه وزير خارجية أمريكا ماركو روبيو، إنه «سيفتح المجال أمام التجارة والاستثمار الدوليَين، ويمنح سوريا فرصة لإعادة البناء»، في خطوة يتطلب استكمالها إجراء مراجعة من الكونغرس لمدة 45 يومًا.
وفي حال إقرارها نهائيًا، ستكون لها انعكاسات إيجابية على سوريا، بإعادة دمجها في المجتمع الدولي، وتعزيز شرعية الحكومة الانتقالية وتفكيك الهواجس القانونية أمام النخب الدولية، وتمهيد إزالة آخر الحواجز التي عقدت لسنوات تدفق الاستثمارات الأجنبية، بحسب خبراء استطلعت «العين الإخبارية» آراءهم.
إلا أن هذه الخطوة تضع الإدارة السورية الجديدة أمام جملة من التحديات؛ من استقرار أمني هش، مرورًا بتقاطع هذا الانفتاح مع مطبات جيوسياسية حادة، تتأرجح بين انقسام الرؤى الغربية حول هوية سوريا المستقبلية ودورها الإقليمي بين واشنطن وباريس، وبين الأطماع الإسرائيلية والمناورات الإيرانية المستمرة؛ مما يتحتم على القيادة السورية أن تتحلى بالمرونة العالية لإدارة هذه التناقضات، وتحويل الانفراج الدبلوماسي الحالي إلى رافعة حقيقية للتعافي الاقتصادي الدائم والوصول بالبلاد إلى بر الأمان، بحسب الخبراء.
حافز إضافي
وإلى ذلك، قال الباحث في معهد الحوار للأبحاث والدراسات بواشنطن عمار جلو، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن القرار الأمريكي يزيل آخر العوائق الأمريكية، أمام أي استثمارات أجنبية في سوريا، بما فيها الأمريكية، ما من شأنه أن يسهم في تعزيز علاقات سوريا مع الدول والقوى الإقليمية والدولية، وأن يشكل حافزًا إضافيًا لتطوير مسار التطبيع مع الإدارة السورية الجديدة.
ودلل على ذلك بأن العقوبات والقرارات الأمريكية تتمتع بتأثير واسع على الساحة الدولية، إذ تتجنب دول كثيرة اتخاذ خطوات قد تُفسر باعتبارها مخالفة للتوجهات الأمريكية، خشية انعكاس ذلك على مصالحها الاقتصادية أو علاقاتها السياسية والدبلوماسية مع واشنطن، مما يعني أن إزالة هذا العائق يمثل عاملًا مشجعًا للدول الراغبة في تطوير علاقاتها مع دمشق.
إلا أن قرارًا واحدًا لا يكفي وحده لإحداث تحول جذري في العلاقات الدولية، بل إن التأثير الحقيقي ينتج عن تراكم الأحداث والقرارات وتزامنها خلال فترة زمنية قصيرة أو متوسطة، بحسب عمار جلو.
وأشار إلى أن زيارة الرئيس الفرنسي لدمشق، إلى جانب القرار الأمريكي بإزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، تمثلان إشارتين إيجابيتين قد تدفعان فرنسا ودولًا أوروبية أخرى إلى تسريع وتيرة التطبيع مع دمشق، فضلا عن أن الانفتاح الدولي المتزايد على الإدارة السورية الجديدة، بما في ذلك الدعوات الرسمية وغير الرسمية للمشاركة في لقاءات دولية ولقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على هامش اجتماعات حلف شمال الأطلسي، تعزز هذا المسار.
ورأى أن هذا التطور سيكون له أثر إيجابي داخل الساحة السياسية الأمريكية، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن القرار لم يكن نقطة البداية في تطور العلاقات، بل جاء نتيجة لمسار قائم بالفعل، وسيعمل في المقابل على تعزيزه ودفعه إلى الأمام.
وأكد أن القرار يزيل العوائق القانونية والسياسية أمام توسيع العلاقات بين البلدين، ويمنحها دفعة إيجابية، لكنه يظل ثمرة لتطور العلاقات وليس سببًا منفصلًا عنها، كما أنه يمثل حلقة ضمن مسار سياسي أوسع، وليس حدثًا معزولًا قائمًا بذاته.
العودة للمشهد
في السياق نفسه، قال أستاذ الفكر السياسي في الجامعة اللبنانية الدكتور جيرار الديب، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن سوريا الجديدة باتت تحظى باهتمام دولي وإقليمي متزايد، عربيًا وغربيًا، خصوصًا بعد سقوط نظام بشار الأسد وانحسار ما كان يُعرف بالمحور الإيراني.
وأوضح أستاذ الفكر السياسي، أن هذا التحول أتاح لدمشق فرصة للعودة إلى المشهد الإقليمي والدولي، مستندة إلى حاضنة دولية تسعى إلى إعادة دمجها كلاعب رئيسي في ظل المتغيرات التي تشهدها المنطقة.
إعادة الانخراط
بدوره، اعتبر الدكتور أسعد العويوي الأستاذ بجامعة القدس المفتوحة وخبير العلاقات الدولية، أن إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، إذا استُكمل بصورة رسمية، فإنه يمثل اعترافًا بأن المقاربات السابقة لم تحقق الأهداف المرجوة، وأن هناك توجهًا نحو اعتماد سياسة أكثر واقعية في التعامل مع الملف السوري.
وأوضح أن هذه الخطوة قد تفتح الباب أمام فرص أكبر للتعافي الاقتصادي، وتشجع على إعادة الانخراط الإقليمي والدولي، وهو ما قد ينعكس إيجابًا على استقرار المنطقة.
واعتبر الأستاذ بجامعة القدس، أن الرئيس دونالد ترامب تعامل مع هذا الملف من منظور براغماتي يركز على المصالح الأمريكية وإعادة ترتيب أولويات السياسة الخارجية، أكثر من التركيز على الاعتبارات الأيديولوجية.
لذلك، فإن نجاح هذه الخطوة لن يُقاس بإعلانها في حد ذاته، بل بقدرتها على الإسهام في تخفيف معاناة السوريين، وتحفيز التعافي الاقتصادي، وخلق بيئة أكثر استقرارًا تتيح دفع العملية السياسية إلى الأمام، يضيف الدكتور أسعد العويوي.
وشدد على أن أي تحول في السياسات الدولية تجاه سوريا ينبغي أن يُستثمر في دعم الاستقرار والتنمية، لأن استمرار الأزمات لا يخدم أحدًا، بينما يبقى السلام والتنمية الخيار الأكثر جدوى لجميع الأطراف.
إنهاء العزلة السياسية
الأمر نفسه أشار إليه أستاذ العلوم السياسية الدكتور إسماعيل تركي، قائلا إن رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب هو بداية حقيقية لإعادة دمج سوريا في النظام المالي والاقتصادي العالمي، ما يسمح لسوريا باستعادة مكانتها وإنهاء العزلة السياسية والاندماج في المنظومة الدولية.
وأوضح أن الدول الأوروبية، التي ترتبط سياستها تجاه دمشق بالبوصلة الأمريكية، بدأت بالفعل في مراجعة مواقفها مثل توقيع فرنسا لحزمة اتفاقيات لدعم الاقتصاد السوري، مما يعني اتجاه الغرب إلى التعامل مع سوريا كشريك أمني ضروري لضبط ملفات الهجرة ومكافحة التنظيمات المتطرفة.
وتوقع تحول سوريا مرة أخرى إلى مركز ثقل في الدبلوماسية الإقليمية، مستفيدة من رغبة الدول المجاورة في تنسيق ملفات الأمن، والحدود، والترابط الاقتصادي.
انعكاسات قانونية
وحول الانعكاسات القانونية للقرار، قال أستاذ القانون الدولي والتنظيم الدولي المساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة الدكتور إبراهيم المنشاوي، إن إدراج دولة أو شطبها من قائمة «الدول الراعية للإرهاب» لا يعد نظامًا قانونيًا دوليًا عامًا يستند إلى ميثاق الأمم المتحدة أو إلى قاعدة عرفية مستقرة في القانون الدولي، وإنما يمثل تدبيرًا أحادي الجانب تتخذه بعض الدول، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، استنادًا إلى تشريعاتها الوطنية التي تمنح السلطة التنفيذية صلاحية تصنيف الدول التي ترى أنها تقدم دعمًا متكررًا لأعمال الإرهاب الدولي.
وأوضح أن هذا التصنيف لا ينشئ مركزًا قانونيًا دوليًا جديدًا للدولة المعنية، ولا يغير من شخصيتها القانونية الدولية، ولا يؤثر في تمتعها بالحقوق والالتزامات المقررة بموجب قواعد القانون الدولي العام، إذ تظل الدولة محتفظة بكامل شخصيتها القانونية وسيادتها وعضويتها في المنظمات الدولية، وتظل خاضعة للالتزامات الناشئة عن ميثاق الأمم المتحدة وسائر الاتفاقيات الدولية التي تكون طرفًا فيها، بصرف النظر عن استمرار أو إنهاء هذا التصنيف.
ورغم ذلك، فإن شطب الدولة السورية من هذه القائمة يمثل خطوة ذات آثار اقتصادية وقانونية واسعة، حتى وإن ظلت في جوهرها قرارًا وطنيًا لا يرتب بذاته آثارًا قانونية مباشرة في مواجهة المجتمع الدولي، ذلك أن هذا القرار يشكل أهمية قانونية وسياسية خاصة من زاوية إعادة دمج سوريا تدريجيًا في النظام الاقتصادي والمالي الدولي، إذ يسهم في تقليص المخاطر القانونية المرتبطة بالاستثمار والتعاملات المالية، ويخفف من حالة العزوف التي تبديها المؤسسات المالية والشركات الدولية نتيجة مخاطر الامتثال، كما يفتح المجال أمام توسيع نطاق التعاون الاقتصادي، واستئناف التمويل الدولي، وإبرام الاتفاقيات الاستثمارية والتجارية، وإطلاق مشروعات إعادة الإعمار.
من ناحية أخرى، لا يترتب على شطب سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب انقضاء أو تعديل المسؤولية الدولية الناشئة عن أي أفعال قد تشكل انتهاكًا للقانون الدولي، كما أن الالتزامات المتعلقة باحترام قواعد القانون الدولي الإنساني، والقانون الدولي لحقوق الإنسان، والامتثال لقرارات مجلس الأمن، ولا سيما الصادرة بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، تظل قائمة بكامل آثارها القانونية، ولا تتأثر بقرار إزالة التصنيف، باعتبار أن مصدرها هو القانون الدولي ذاته، وليس التشريع الوطني للدولة التي اعتمدت نظام التصنيف.
كذلك، فإن قرار الشطب لن يؤدي تلقائيًا إلى إنهاء جميع القيود الدولية المفروضة على الدولة، إذ ينبغي التمييز بين التصنيف الأمريكي للدول الراعية للإرهاب، وبين أنظمة الجزاءات الدولية أو الإقليمية الأخرى، سواء تلك الصادرة عن مجلس الأمن بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، أو العقوبات المستقلة التي يفرضها الاتحاد الأوروبي أو المملكة المتحدة أو غيرها من الدول، يضيف الخبير القانوني الدولي.
تحديات
قال الباحث في معهد الحوار للأبحاث والدراسات بواشنطن عمار جلو، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن التحديات التي تواجه سوريا في المرحلة الحالية تظل بالدرجة الأولى داخلية، يتصدرها الملف الأمني، إلى جانب استكمال مسار توحيد الجغرافيا السورية والمجتمع السوري.
ورغم أنه قال إن الاستقرار الأمني لا يزال هشًا في معظم أنحاء البلاد، لكنه اعتبر ذلك أمرًا طبيعيًا بالنسبة لدولة خرجت من نحو خمسة عشر عامًا من الحرب والانقسامات، سواء على المستوى المجتمعي أو المؤسسي.
وأشار إلى أن تسريع وتيرة الانفتاح، واعتماد نهج أكثر عقلانية ومرونة من جانب الإدارة السورية، إلى جانب تعزيز دور المؤسسات، من شأنه أن يسرّع انعكاسات القرارات الدولية الإيجابية، وفي مقدمتها رفع العقوبات، على الدولة والمجتمع، فيما حذر من أن التباطؤ في هذا المسار قد يؤدي إلى إبطاء تلك الآثار أو تجميدها.
وأكد أن الواقع السوري، خلافًا لما يُروَّج أحيانًا، يتجه نحو البحث عن الوضع الأفضل، رغم وجود عثرات، لكن الإدارة الحالية تسعى إلى تصحيحها، في ظل حالة مجتمعية تتقاطع فيها الإرادة العامة نحو إعادة بناء الدولة ووضع سوريا في موقع يسمح لها بمنافسة الدول الأخرى بصورة إيجابية.
في السياق نفسه، قال أستاذ الفكر السياسي في الجامعة اللبنانية الدكتور جيرار الديب، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن هذا الانفتاح على سوريا، رغم تعزيزه بإزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، لا يخلو من عوامل عدم الاستقرار، بينها استمرار التباينات الغربية في الرؤية الاستراتيجية للمنطقة، وهو ما ظهر بوضوح في اختلاف المواقف بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بشأن أزمة مضيق هرمز، الأمر الذي قد ينعكس بدوره على الساحة السورية.
ومن بين التحديات -كذلك- استمرار إسرائيل في تبني رؤية تستفيد من بقاء سوريا ضعيفة لا قوية، بحسب جيرار الديب، الذي استند في رؤيته إلى تصريحات لطالما كررها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن إعادة تشكيل المنطقة، بما في ذلك الحديث عن إنشاء منطقة عازلة داخل الأراضي السورية، فضلًا عن طرحه لفكرة حماية الأقليات، مثل الدروز والأكراد.
في المقابل، لا تزال إيران تعمل على إعادة ترتيب نفوذها الإقليمي، متمسكة بورقة حزب الله في لبنان، الأمر الذي يجعلها بحاجة إلى البوابة السورية للحفاظ على امتداد نفوذها، في تحدٍ كذلك يقف أمام الإدارة السورية.
وأشار إلى أن الحديث عن إعادة إعمار سوريا، أو حتى عن إعادة ترميم الدولة الجديدة، يبقى رهينًا بجملة من التعقيدات الإقليمية والدولية، في ظل استمرار الحرب الأوكرانية، واتساع رقعتها بصورة تثير المخاوف من فقدان السيطرة عليها، ف
ورغم ذلك، قال أستاذ الفكر السياسي في الجامعة اللبنانية، إن حالة الضبابية التي تفرض نفسها على المشهد لا تلغي أهمية الانفتاح الدولي والإقليمي على سوريا، باعتباره تطورًا تحتاج إليه البلاد والمنطقة على حد سواء، كما يمنح الإدارة السورية فرصة أفضل لمعالجة ملفاتها الداخلية والاستعداد لمواجهة التحديات المقبلة.
الأمر نفسه أشار إليه أستاذ العلوم السياسية الدكتور إسماعيل تركي قائلا إن تحقيق مكاسب سريعة ليست مضمونة بسبب عديد من التحديات والعقبات وهي: ضعف الاقتصاد السوري، بسبب طول سنوات الحرب، وانعكاساتها على البنية التحتية المدمرة، والتي تحتاج إلى استثمارات ضخمة.
وفيما اعتبر أن القرار يعد البداية الفعلية لإعادة الإعمار، أكد أن تحقيق ذلك يتطلب توافر ثلاثة شروط رئيسية:
استمرار الاستقرار الأمني.
توفير بيئة قانونية جاذبة للاستثمار.
وجود توافق إقليمي ودولي على دعم إعادة الإعمار.
وتوقع 3 سيناريوهات خلال العامين المقبلين بعد رفع اسم سوريا، وهي:
السيناريو المتفائل
تدفق الاستثمارات مع بدء مشروعات إعادة الإعمار وإحداث تحسن ملحوظ في الأوضاع الاقتصادية والسياسية.
بناء شبكة علاقات واسعة مع الأطراف الإقليمية والدولية.
السيناريو الثاني.. الأكثر احتمالا
رفع تدريجي للعقوبات، مع انفتاح اقتصادي محدود، واستمرار الضغوط الغربية في ملفات سياسية.
السيناريو الثالث: المتشائم
تجدد التوترات الإقليمية أو تعثر الإصلاحات، قد يعيد بعض القيود الاقتصادية، ويرجئ إعادة الإعمار.
روشتة النجاح
وشدد الباحث في معهد الحوار للأبحاث والدراسات بواشنطن عمار جلو على أن نجاح المرحلة الانتقالية يتطلب إعادة تأهيل مؤسسات الدولة، وتوسيع قاعدة التمثيل السياسي، وإزالة الهواجس المتبادلة بين السوريين، مع تشجيع القيادة السورية على الجمع بين التمسك بالمصلحة الوطنية والمرونة في بناء المؤسسات وإرساء الأطر القانونية، بشكل يضمن إنهاء المرحلة الانتقالية في أقصر وقت، وصولًا إلى دولة ديمقراطية قائمة على مؤسسات منتخبة وتمثيل سياسي حقيقي.





















