(عاد/ بيروت) متابعات:
تتسارع ردود الفعل الإقليمية والدولية إثر إعلان سلطنة عُمان عن تحديد مسار بحري مؤقت لمرور السفن في مضيق هرمز الإستراتيجي، الذي يعد أحد أهم الشرايين الحيوية لإمدادات الطاقة العالمية.
ويهدف المقترح العُماني في الأساس إلى إيجاد مخرج عملي وقانوني مؤقت يخفف من حدة الاختناق الاقتصادي الذي تضررت منه اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي والأسواق العالمية على حد سواء جراء الاضطرابات المتلاحقة في المضيق، الذي يمر عبره نحو خمس استهلاك العالم من النفط.
وفيما حظي المقترح العُماني بترحيب خليجي واسع، قوبلت الخطوة برفض إيراني قاطع، حيث وصف الحرس الثوري الإيراني المسار الجديد بأنه أمر غير مقبول وخطير للغاية، مهددا باتخاذ إجراءات بحق أي سفن تخالف المسارات البحرية المعتمدة والمُعلنة من قبل طهران سابقا.
ويأتي هذا الخلاف ليلقي بظلاله على مسار المفاوضات المعقدة والجارية بين واشنطن وطهران، والتي تهدف إلى إبرام اتفاق شامل ينهي حالة التصعيد العسكري الذي بدأته الولايات المتحدة وإسرائيل ضد طهران في الثامن والعشرين من فبراير الماضي.
◄ المسار الذي اقترحته مسقط تم تخصيصه وتحديده عبر إحداثيات رسمية دقيقة بالتنسيق بين السلطات العُمانية المختصة والمنظمة البحرية الدولية
وعلى الرغم من أن البلدين وقّعا في الثامن عشر من يونيو الجاري مذكرة تفاهم تضمنت بنودا لإعادة فتح المضيق بعد إغلاقه الذي تسبب في قفزات قياسية لأسعار الطاقة، إلا أن الشياطين تكمن في تفاصيل آليات العبور والسيادة على الممر المائي، حيث تتمسك الإدارة الأميركية بأن يكون عبور السفن مجانيا بالكامل تماشيا مع القوانين الدولية للمياه والمضايق، بينما تبدي طهران رغبة في فرض شروط والتزامات معينة تعتبرها من حقوقها السيادية والإشرافية على المضيق الذي تتقاسم سلطنة عمان وإيران الإشراف المشترك على جانبيه ويربط الخليج العربي بخليج عمان وبحر العرب.
وأوضحت مصادر رسمية أن المسار الذي اقترحته مسقط جرى تخصيصه وتحديده عبر إحداثيات رسمية دقيقة بالتنسيق الكامل بين السلطات العُمانية المختصة والمنظمة البحرية الدولية، بهدف إتاحة العبور المجاني والآمن لجميع السفن التجارية والناقلات دون استثناء، مشيرة إلى أن شرط العبور الأساسي يتلخص في التنسيق المباشر والمسبق مع المنظمة البحرية الدولية لضمان سلامة الحركة الملاحية وتفادي الحوادث البحرية أو الاحتكاكات الأمنية.
ولإعطاء هذا المقترح زخما سياسيا سارع مجلس التعاون الخليجي إلى إعلان دعمه الكامل للخطوة العُمانية، حيث عبّر رئيس المجلس الوزاري الخليجي عبداللطيف الزياني عن ترحيب دول المجلس بالإعلان خلال اجتماع مشترك ضم وزراء خارجية دول الخليج مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في المنامة، مؤكدا أن حماية حرية الملاحة تشكل ركيزة أساسية للاستقرار الاقتصادي والأمني لدول المنطقة التي تعتمد بشكل شبه كامل على تصدير النفط والغاز الطبيعي واستيراد السلع الأساسية.
وفي المقابل عكست التصريحات الصادرة من طهران حجم الفجوة بين الأطراف، إذ شدد الحرس الثوري الإيراني في بيان رسمي على أن المسارات التي أعلنتها إيران هي الوحيدة المسموح باستخدامها للعبور من مضيق هرمز، معتبرا أن أي إعلان لمسارات جديدة دون التنسيق المسبق والمباشر مع طهران يمثل خرقا للترتيبات الأمنية القائمة وتجاوزا للصلاحيات البحرية في المنطقة.
ويتناغم هذا الموقف المتشدد للحرس الثوري مع مناورات سياسية إيرانية تهدف إلى استغلال الجغرافيا السياسية للمضيق كورقة ضغط رئيسية في مفاوضاتها مع واشنطن، على الرغم من محاولات الدبلوماسية الإيرانية إبداء مرونة نسبية في بعض الجوانب، حيث صرّح متحدث الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، في وقت سابق بأن بلاده لا تسعى إلى تحصيل “رسوم عبور” بالمعنى التقليدي في المضيق، لكنها تعتزم فرض رسوم مالية تحت مسميات أخرى تشمل تقديم الخدمات الملاحية، وحماية البيئة البحرية، والتأمين، وهي خطوة ترفضها الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون جملة وتفصيلا.
ودخلت واشنطن على خط الأزمة بقوة خلال اجتماع المنامة، حيث أكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن فرض أي رسوم أو تكاليف مادية على المرور عبر مضيق هرمز لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون شرطا في أي اتفاق مستقبلي مع طهران، معللاً ذلك بأن المضيق يقع ضمن نطاق المياه الدولية التي تكفل القوانين والمعاهدات البحرية العالمية حرية المرور المالي والأمني والمدني عبرها دون عوائق.
وقال روبيو “لو قبلنا فرض رسوم على استخدام ممر مائي دولي لمجرد أنه قريب من أراضي دولة، سيمتد الأمر إلى باقي العالم كالعدوى”. وأكّد على أن “الممرات المائية الدولية لا تتبع أي بلد. هذا مبدأ أساسي في العالم اليوم، ومن دونه ستعمّ الفوضى”.
ويرى مراقبون ومحللون سياسيون أن المبادرة العُمانية، ورغم ترحيب الدول الخليجية والمجتمع الدولي بها كخطوة بناءة، قد تواجه طريقا مسدودا على أرض الواقع إذا أصرت طهران على استخدام لغة التهديد العسكري والاعتراض الميداني للسفن الناقلة التي قد تختار العبور عبر الإحداثيات الجديدة المحددة من قبل مسقط والمنظمة البحرية الدولية.
وتتجه الأنظار الآن إلى ما ستؤول إليه المفاوضات المباشرة وغير المباشرة بين واشنطن وطهران، في ظل تأكيدات خليجية وأميركية مشتركة على ضرورة مراعاة متطلبات مصالح دول مجلس التعاون الأمنية والاقتصادية في أي ترتيبات أو تفاهمات إقليمية مستقبلية، وهو ما يضع مضيق هرمز ومساراته البحرية مجددا في قلب الصراع الدولي والإقليمي، في انتظار تسوية سياسية شاملة أو تصعيد بحري جديد قد يعيد أسعار الطاقة إلى واجهة الأزمات العالمية.
























