إيران تتحول من إستراتيجية الصبر التكتيكي إلى المبادرة

2026/06/10م

(عاد/ واشنطن) متابعات:

لا يبدو إسقاط المروحية الأميركية قرب مضيق هرمز مجرد حادث عسكري معزول، بقدر ما يعكس تحولا أعمق في العقيدة الإستراتيجية الإيرانية، وانتقالا تدريجيا من سياسة “الصبر التكتيكي” إلى سياسة تقوم على اختبار حدود القوة وإعادة رسم قواعد الاشتباك في الإقليم.

وبعد أن نفذت إيران تهديدها بالرد على إسرائيل إثر استهداف العاصمة اللبنانية بيروت، انتقلت إلى خطوة أكثر جرأة تمثلت في إسقاط المروحية الأميركية قرب هرمز، قبل أن تتبادل مع واشنطن الضربات العسكرية للمرة الأولى منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي أُبرم قبل أكثر من شهرين.

وبغض النظر عن حجم الخسائر الميدانية، فإن أهمية هذه التطورات تكمن في الرسالة السياسية والإستراتيجية التي تحملها: إيران لم تعد تنتظر الضربة لترد عليها، بل أصبحت تسعى إلى فرض إيقاعها الخاص على الصراع.

ولعقود طويلة اعتمدت الجمهورية الإسلامية على ما يمكن وصفه بسياسة “الصبر التكتيكي”.

وكانت الفكرة الأساسية تقوم على تجنب المواجهات المباشرة مع القوى الكبرى، خاصة الولايات المتحدة، مع الاعتماد على أدوات الردع غير المباشرة وشبكة الحلفاء الإقليميين.

بدلا من أن تؤدي الضربات العسكرية إلى إضعاف موقف إيران، فإنها قد فتحت أمامها فرصة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك

وقد سمح هذا النهج لطهران بتوسيع نفوذها الإقليمي مع تقليل المخاطر التي قد تهدد الداخل الإيراني أو البرنامج النووي.

لكن الحرب التي اندلعت في أواخر فبراير الماضي وما تبعها من ضربات متبادلة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، يبدو أنها دفعت القيادة الإيرانية إلى مراجعة بعض المسلمات التي حكمت سلوكها لسنوات.

وبدلا من أن تؤدي الضربات العسكرية إلى إضعاف موقفها، خلصت طهران إلى أن قدرتها على الصمود أمام الضغط العسكري والسياسي فتحت أمامها فرصة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك.

ويبدو أن أحد أهم العوامل التي شجعت هذا التحول هو فشل الرهانات الأميركية والإسرائيلية على تحقيق حسم سريع للصراع. فالتقديرات التي تحدثت في بداية الحرب عن إمكانية إنهاء المواجهة خلال أسابيع قليلة لم تتحقق، كما لم تؤد الضغوط العسكرية إلى حدوث اضطرابات داخلية واسعة أو إلى تغيير في بنية النظام السياسي الإيراني.

وعلى العكس من ذلك، خرجت القيادة الإيرانية بقناعة مفادها أن خصومها أخطأوا في تقدير قدرتها على التحمل والاستمرار. كما أن التطور الكبير في القدرات العسكرية الإيرانية لعب دورا محوريا في هذا التحول.

وخلال السنوات الماضية استثمرت طهران بشكل مكثف في تطوير منظومات الصواريخ والطائرات المسيّرة محلية الصنع، ونجحت في تحويلها إلى أداة رئيسية في إستراتيجيتها الدفاعية والهجومية.

ومع اندلاع الحرب الأخيرة، أصبحت هذه القدرات موضع اختبار عملي، الأمر الذي عزز ثقة صناع القرار الإيرانيين بإمكانية الانتقال من إستراتيجية الردع الدفاعي إلى إستراتيجية المبادرة الهجومية.

وترافق ذلك مع متغيرات دولية وإقليمية مهمة. فإيران تدرك أن المنافسة المتصاعدة بين الولايات المتحدة من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى خلقت بيئة إستراتيجية مختلفة عن تلك التي كانت سائدة قبل سنوات.

وفي ظل سعي موسكو وبكين إلى توسيع نفوذهما ومواجهة الضغوط الأميركية، ترى طهران أن هامش حركتها بات أوسع، وأن قدرتها على المناورة السياسية والعسكرية ازدادت مقارنة بالمراحل السابقة.

وإلى جانب ذلك، يبدو أن مسألة استعادة الردع شكلت عاملا حاسما في التفكير الإيراني الجديد. فالحرب الأخيرة وجهت ضربات مؤلمة لإيران وحلفائها، وأظهرت حدود بعض أدوات الردع التقليدية التي اعتمدت عليها طهران لسنوات.

ولذلك برز داخل المؤسسة الحاكمة اتجاه يرى أن البقاء في موقع رد الفعل قد يُفسر من قبل الخصوم على أنه ضعف أو تراجع، وأن أفضل وسيلة لمنع المزيد من الضغوط تتمثل في إظهار القدرة على المبادرة والمفاجأة.

ومن هنا يمكن فهم التصريحات المتكررة للمسؤولين الإيرانيين خلال الأسابيع الأخيرة، والتي أكدت أن أي هجوم أو تهديد سيقابل برد مباشر. كما يمكن فهم دعوات وزير الخارجية عباس عراقجي للقوات الأميركية إلى مغادرة المنطقة إذا كانت تريد تجنب المخاطر، باعتبارها جزءاً من خطاب سياسي جديد يسعى إلى إظهار إيران كطرف يمتلك زمام المبادرة وليس مجرد دولة تدافع عن نفسها.

لكن هذا التحول لا يعني بالضرورة أن طهران تخلت بالكامل عن أدواتها التقليدية. فما زالت شبكة الحلفاء الإقليميين تمثل عنصرا مهما في إستراتيجيتها الشاملة، غير أن الجديد يتمثل في استعدادها المتزايد لاستخدام القوة المنطلقة مباشرة من الأراضي الإيرانية عندما ترى أن الظروف تسمح بذلك أو عندما تقتضي الضرورة إرسال رسائل ردع أكثر وضوحا.

وفي المقابل، يفرض هذا التحول تحديات جديدة على الولايات المتحدة وحلفائها. فالتعامل مع إيران كانت تحكمه خلال السنوات الماضية مجموعة من القواعد غير المعلنة، أبرزها أن طهران تميل إلى تجنب المواجهة المباشرة وتفضل العمل عبر وسطاء أو وكلاء.

وأما اليوم، فإن هذه الفرضية أصبحت موضع شك، وهو ما يفرض إعادة تقييم للحسابات العسكرية والسياسية القائمة.

ويظهر ذلك بوضوح في الجدل الذي دار داخل الإدارة الأميركية بشأن كيفية الرد على إسقاط المروحية. فالرئيس دونالد ترامب لم يكن متحمسا في البداية لتصعيد الموقف، معتبرا أن الحادثة ليست بالغة الأهمية. لكن الضغوط القادمة من المؤسسة العسكرية والمخاوف من أن يؤدي عدم الرد إلى تشجيع إيران على المضي أبعد في نهجها الجديد، دفعت واشنطن في النهاية إلى تنفيذ ضربات داخل الأراضي الإيرانية.

ومع ذلك، فإن تبادل الضربات الأخير كشف أيضا حدود قدرة الطرفين على التصعيد. فكل من واشنطن وطهران يدرك أن الانزلاق إلى حرب شاملة يحمل كلفة باهظة لا يرغب أي منهما في تحملها حالياً. ولهذا السبب لا تزال الدبلوماسية حاضرة إلى جانب القوة العسكرية، رغم التوتر المتصاعد.

ويبقى السؤال الأهم هو ما إذا كانت إيران قادرة على الاستمرار في هذه الإستراتيجية الجديدة على المدى الطويل. فالمبادرة تمنحها فرصة لفرض معادلات ردع مختلفة وتحسين موقعها التفاوضي، لكنها في الوقت نفسه ترفع مستوى المخاطر وتزيد احتمالات سوء التقدير. كما أن الانتقال من سياسة الصبر التكتيكي إلى سياسة المبادرة يعني تحمل مسؤولية أكبر عن مسار الأحداث ونتائجها.

وفي جميع الأحوال، تشير التطورات الأخيرة إلى أن الشرق الأوسط يشهد مرحلة جديدة من إعادة تشكيل قواعد الاشتباك.

وفي قلب هذه التحولات تقف إيران التي تبدو عازمة على الانتقال من موقع المتلقي للضغوط إلى موقع الساعي لفرض الوقائع، في رهان إستراتيجي قد يعيد رسم توازنات المنطقة، أو يفتح الباب أمام جولة أكثر خطورة من الصراع الإقليمي.

اضف تعليقك